ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٩٣ - العبودية
الترف والبذخ ، وكانت له ليالٍ حمراء عامرة بالشُّرب والطرب ، فمرَّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) على داره ذات يوم ولفت نظره ضجّة الغناء والطرب والسكر ، فسأل عن صاحب البيت ، فأجابته أَمَةٌ من خادمات البيت ، فسألها الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) : هو حرّ أم عبد ؟ فلم تفهم الخادمة مغزى كلام الإمام (عليه السّلام ) ، وقالت : كيف يكون عبداً وهو يملك المئات من العبيد والإماء ؟!
فقال لها الإمام : أجل لو كان ( عبداً ) لم يفعل هكذا . وذهب لشأنه ، فسمع الرجل الحوار الذي جرى بين الإمام والخادمة ، وفهم مغزى كلام الإمام ، فأسرع في طلب الإمام ، فخشي أن لا يدرك الإمام فخرج حافياً حتى لحق الإمام وتاب على يديه ، فَعُرف بالحافي بعد ذلك ، واشتهر أمره وذِكره في العارفين والزاهدين .
والذي يقرأ سمات الشخصية الإسلامية في النصوص الإسلامية يجد أنّ صِفة العبودية هي الصفة المحورية في الشخصية الإسلامية ، يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في صفة المتقين :
( عَظُم الخالق في أنفسهم فَصَغُر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعَّمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذَّبون . قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة .
... أمّا الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً ، يُحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم ، وأمّا النهار فَحُلَماء علماء أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول لقد خولطوا ولقد خالطهم أمرٌ عظيم .
فمن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين ، وحزماً في لين ، وإيماناً في يقين ، وحرصاً في علم ، وقَصْداً في غنى ، وخشوعاً في عبادة ، وتحمّلاً في فاقة ، وصبراً في شدّة ، وطلباً في حلال ، ونشاطاً في هُدى وتحرجاً عن طمع ... ) . [١]
[١] نهج البلاغة ، خطبة المتقين ، الخطبة رقم : ١٩٣ .