ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٤١ - أسلوبان في الرؤية
المستقبل المليء بالأمل .
إنّ نظرة الداعية إلى المسيرة نظرة ثاقبة نفّاذة ، تنفذ من معاناة الحاضر إلى آفاق المستقبل ، لا تحجبها معاناة الحال عن رؤية النصر الإلهي للقلّة المؤمنة على وجه الأرض ، وكما كانت الرؤية البشرية المحدودة المدى للمسيرة تورث صاحبها الضعف والخوف واليأس والعجز عن مواصلة الطريق فإنّ الرؤية الثاقبة ، البعيدة المدى التي يتمتع بها الداعية ، تمكِّنه من مواصلة الطريق ، وتمنحه الثقة ، والطمأنينة ، والقوّة ، والشجاعة ، والأمل ، وتنتزِع من نفسه الخوف واليأس ، وهذه هي خاصية الرؤية عندما تتجاوز المعاناة إلى السنن والقوانين الإلهية في الحضارة والتاريخ .
إنّ الفلاّح لو كان ينظر إلى عمله من خلال معاناة الحرث والغرس والسقي لترك المزرعة ومضى إلى شأنه ، ولكنّه عندما ينظر إلى هذا الجهد الشاقّ الذي يبذله في المزرعة من خلال سنن الله تعالى ، يمضي في عمله دون أن يكلّ أو يمسّه تعب أو لغوب .
ولِنَعد إلى القرآن من جديد ، فإنّه مَعين لا ينضب للدعاة إلى الله ، إنّ القرآن الكريم يرسم هذه المسيرة الشاقّة للدعوة إلى الله ، الساحة حامية بالصراع بين الحقّ والباطل ، ولكن لا من خلال معاناة العاملين ، وإنّما من خلال سنن الله تعالى في التاريخ ، في حتمية النصر للفئة المؤمنة ، حتمية الهلاك والسقوط لجبهة الشرك .
وإنّ القرآن ليحرص على أن يحوّل نظر الداعية من الحال إلى المستقبل ومن المعاناة إلى سنن الله ، وذلك من خلال استعراض مسيرة التوحيد والشرك ، واستعراض ساحات الصراع بين هاتين الجبهتين ولنستمع إلى كلام الله تعالى :
( إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ) ، [ غافر: ٥١ ] .