ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٥١ - وحدة المسيرة وطول النفس في العمل
وموسى وعيسى (عليهم السلام) ؛ فإنّهم غرسوا غرسة التوحيد فجنينا ثمار عملهم وجهودهم ، ونغرس نحن للأجيال القادمة ليجنوا ثمار عملنا .
فقد اجتبانا الله تعالى جيلاً بعد جيل لرسالته ، وأودع لدينا رسالته نتعاقب عليها جيلاً بعد جيل ، فيستلمها كل جيل منّا من الجيل السابق ليسلِّمها إلى الجيل الذي يأتي من بعده ، وهذا هو الجانب الإلهي من هذا الميراث ، وإلى جانب هذا الميراث الإلهي فإنّ الأجيال المتعاقبة على هذا الميراث تتوارث فيما بينها خبرات العمل والدعوة .
فإنّ محتوى الدعوة إلى الله تعالى واحد ، لا يختلف من جيل إلى جيل ، ولكن خبرة الدعاة إلى الله في الدعوة تتكامل بالتأكيد ، عدا من عصمهم الله بالوحي ، وكل جيل من الدعاة يورث الجيل الذي يأتي من بعده إلى جانب هذا الميراث الإلهي خبرته التي اكتسبها من خلال العمل ومعاناة الدعوة إلى الله .
فإنّ الدعوة إلى الله تعالى من أكثر الأمور تعقيداً ، والإنسان الداعية يحتاج إلى الكثير من التعقّل ، والفهم والنضج السياسي ، ومعرفة أساليب التعامل مع الناس ، ووعي الظروف الاجتماعية المختلفة وطريقة مواجهة الظالمين ، وشجاعة المواجهة والإقدام والقدرة على ضبط النفس والعواطف ، ويحتاج إلى المداراة والمرونة ، والجدّية ، والقوّة واللين .
يحتاج إلى ذلك كلّه وإلى غيره من المؤهلات والخبرات ، ولا يمكن أن تكون هذه المؤهلات والخبرات الضرورية للدعوة والجهاد في جيل واحد ، وإنّما تتكامل في شخصية الداعية عبر الأجيال وعبر خوض ساحات الصراع والجهاد والمواجهة مع أئمّة الكفر والجاهلية ، وتساهم هذه الأحداث ، التي تشكّل التاريخ الحضاري والرسالي للإنسان ، في تكوين خبرات ومؤهّلات الداعية في ممارسته الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله .
ومن المهمّ جداً أن ينتبه الدعاة إلى الله إلى الأهمّية الحياتية لهذا الميراث الكبير في مجال الدعوة إلى الله ، فلا يغفل أجيال الدعاة قيمة وأهمّية الخبرة التي أورثها أسلافهم إياهم في مجال الدعوة .