ميراثان في كتاب الله (العُجب) - الآصفي، الشيخ محمد مهدي - الصفحة ٢٢ - الميراث الثاني
من بين الأمم أمّة يورثها ميراث الظالمين ، ويبعث فيهم رسولاً ويستخلفهم محلّ الذين ظلموا ، وأهلكهم الله بظلمهم .
وهذه الأمّة الفتيّة ، التي يبعثها الله تعالى من بين سائر الأُمم ، هي التي ترث مواريث الظالمين ؛ من مالٍ ، وسلطانٍ وقوّةٍ ، وأرض ، وتحلّ محلّهم وتتولّى السيادة على وجه الأرض : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ ) .
وهذا هو الميراث الأوّل من ميراث المؤمنين ، وهو ميراث المؤمنين من الظالمين .
الميراث الثاني
وأمّا ميراث المؤمنين من سلفهم ؛ من الأنبياء ، والصدّيقين ، والصالحين ، فهو : العبودية ، ومنطلقاتها ، وأحكامها ، وقيمها ، وأخلاقها ، وهذا الميراث ينتقل من جيل ليسلّمه إلى الجيل الذي يأتي من بعده ، والقرآن الكريم يشير في أكثر من موضع إلى هذا الميراث الحضاري ، يقول تعالى :
( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ، [ فاطر : ٣٢ ] .
( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ) ، [ غافر : ٥٣ ] .
إنّ هذا الميراث ليس ميراث المال والسلطان ، وإنّما هو ميراث الهدى ، والبيّنات ، والكتاب ، والعبودية ، والقيم ، والأخلاق ، ميراثٌ يحفظه قوم ويضيّعه قوم آخرون ، وليس بقليل الأقوام الذين ضيّعوا هذا الميراث واستبدلوا بالصلاة الشهوات ، يقول تعالى :
( أُولئِكَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النّبِيّينَ مِن ذُرّيّةِ آدَمَ وَمِمّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمنِ خَرّوا سُجّداً وَبُكِيّاً * فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصّلاَةَ