كتاب المكاسب - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٨٨ - أما التقليد
و كذا العقود و الإيقاعات فقد ورد فيهما من الشرع حكم من الصحة أو الفساد، و كل هذه الأحكام مودعة من اللّه عز اسمه عند نبيه خاتم الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) بطريق الوحي، و الإلهام، ثم بيّن (صلى اللّه عليه و آله) كثيرا من هذه الأحكام للناس، و لا سيما لأصحابه الحافين به و الطائفين كل يوم بعرش حضوره.
نعم هناك أحكام لم توجد الدواعي و البواعث لبثها و بيانها، لعدم الحاجة إليها، و الابتلاء بها، أو لعدم اقتضاء المصلحة لنشرها فحكمة التدرج في التبليغ اقتضت بيان قسم من الأحكام، و كتمان جملة منها.
لكنه (صلى اللّه عليه و آله) أودعها عند (أوصيائه الأطهار) كل وصي يودعها عند وصيه حتى ينشره في الوقت المناسب لبثها حسب الحكمة و المصلحة من عام مخصص، أو مطلق مقيد، أو مجمل مبين فكثيرا ما يذكر (صلى اللّه عليه و آله) عاما ثم بعد برهة من الزمن يذكر مخصصه، و لربما لم يذكر المخصص أصلا، لحكمة اقتضت ذلك فأودعه عند أوصيائه، ليذكروه عند ما اقتضت الحكمة لنشره.
و هناك أسباب أخرى غير ما ذكرناه دعت إلى اخفاء قسم من الأحكام و عدم بيان المخصص، و المقيد، و المبين. خذ لذلك مثالا:
إن الأحاديث الصادرة عن (الرسول الأعظم) (صلى اللّه عليه و آله) في حياته الشريفة قد اختلف الصحابة في فهمها، لاختلاف مراتب فهمهم و قريحتهم الذاتية كما قال عز من قائل: انزل من السّماء ماء فسالت أودية بقدرها. فالماء نزل في وقت واحد على نسق واحد، لكن الأودية و الغدران حسب سعتها و ضيقها جرى الماء فيها فكل واد و غدير أخذ مقدار ظرفيته و استعداده من الماء المنزل من السماء.
و قد يسمع الصحابي من النبي (صلى اللّه عليه و آله) حكما في واقعة