المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١٧ - فصل ١٢ فى أنّه بذاته معشوق و عاشق و لذيذ و ملتذ و أنّ اللذّة هى ادراك الخير الملائم
فقد ظهر أنّه لا يمكن أن يكون وجوب الوجود مشتركا فيه، لا ان كان لازما لطبيعة و لا ان كان طبيعة بذاته. فاذا واجب الوجود واحد أيضا، لا بالنوع فقط او بالعدد او عدم الانقسام او التمام، بل فى أنّ وجوده ليس بغيره، و إن لم يكن من جنسه.
و لا يجوز أن يقال: إنّ واجبى الوجود لا يشتركان فى شىء، كيف و هما يشتركان فى وجوب الوجود و يشتركان فى البراءة عن الموضوع. فان كان وجوب الوجود يقال عليهما بالاشتراك فكلامنا ليس فى معنى منع كثرة ما يقال له واجب الوجود بالاسم، بل بمعنى واحد من معانى ذلك الاسم. و ان كان بالتواطؤ فقد حصل بمعنى عامّ عموم لازم او عموم جنس. و كيف يكون عموم وجوب الوجود لشيئين على سبيل اللوازم التي تعرض من خارج، و اللوازم معلولة، و وجوب الوجود المحض غير معلول.
[فصل ١٢] فى أنّه بذاته معشوق و عاشق و لذيذ و ملتذ و أنّ اللذّة هى ادراك الخير الملائم
و لا يمكن أن يكون جمال او بهاء فوق أن تكون الماهيّة عقليّة محضة، خيريّة محضة، عريّة عن كلّ واحد من أنحاء النقص، واحدة من كلّ جهة.
فالواجب الوجود هو الجمال و البهاء المحض، و هو مبدأ كلّ اعتدال، لأنّ كلّ اعتدال هو فى كثرة تركيب او مزاج فيحدث وحدة فى كثرة، و جمال كلّ شىء و بهاؤه هو أن يكون على ما يجب له، فكيف جمال ما يكون على ما يجب فى الوجود الواجب، و كلّ جمال و ملائمة و خير مدرك فهو معشوق و محبوب.
و مبدأ ذلك ادراكه، إمّا الحسّى و إمّا الخيالى و إمّا الوهمى و إمّا الظنّى و إمّا العقلى. و كلّما كان الادراك أشدّ اكتناها و أشدّ تحقّقا و المدرك أجمل و أشرف ذاتا فاحباب القوّة المدركة ايّاها و التذاذها به اكثر.
فالواجب الوجود- الذي هو فى غاية الكمال و الجمال و البهاء الذي يعقل ذاته بتلك الغاية و الجمال و البهاء و بتمام العقل و يتّصل العاقل و المعقول