المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٦٠ - فصل ٤٤ فى أنّ المحرّك الاوّل كيف يحرّك، و أنّه يحرّك على سبيل الشوق الى الاقتداء بامره لا إلى اكتساب المشوق بالفعل
ملكة فاضلة، او نصير خيّرين، و ذلك أنّ المفعول يكتسب كماله من فاعله، فمحال أن يعود فيكمّل جوهر فاعله، فانّ كمال المعلول أخسّ من كمال العلّة الفاعلة، و الأخسّ لا يكسب الأشرف و الأكمل كمالا، بل عسى أن يهيّئ الأخسّ للأفضل و الأشرف آلته و مادّته حتّى يوجد هو فى بعض الأشياء عن سبب آخر.
و أمّا نحن فانّ المدح الذي نطلبه و نرغب فيه هو كمال غير حقيقىّ، بل مظنون، و الملكة الفاضلة التي نحصّلها بالفعل ليس سببها الفعل، بل الفعل يمنع ضدّها و يهيّئ لها. و تحدث هذه الملكة من الجوهر المكمّل لأنفس الناس، و هو العقل الفعّال او جوهر آخر يشبهه.
و على هذا فانّ الحرارة المعتدلة ليست سببا لوجود القوى النفسانيّة، و لكن مهيّئ للمادّة، إذ لا موجد، و كلا منافى الموجد. ثمّ بالحملة إذا كان الفعل مهيئا ليوجد كمالا انتهت الحركة عند حصوله.
فبقى أن يكون الخير المطلوب بالحركة خيرا قائما بذاته، ليس من شأنه أن ينال؛ و كلّ خير هذا شأنه فانّما يطلب العقل التشبّه به بمقدار الامكان. و التشبّه به هو تعقّل ذاته فى كمالها الأبدىّ، ليصير مثله، فى أن يحصل له الكمال الممكن له فى ذاته كما حصل لمعشوقه، فيوجب البقاء الابدىّ على أكمل ما يكون لجوهر الشىء فى أحواله و لوازمه كمالا لذلك ..
فما كان يمكن آن يحصل كماله الأقصى له فى أوّل الأمر تمّ تشبّهه به بالثبات، و ما كان لا يمكن أن يحصل كماله الأقصى له فى أوّل الأمر تمّ تشبّهه به بالحركة.
و تحقيق هذا أنّ الجرم السماوىّ يستمدّ القوّة غير المتناهية بما يعقل من الأوّل و يسنح عليه من نوره و قوّته دائما، فلا يكون له قوّة غير متناهية، بل للمعقول الذي يسنح عليه نوره و قوّته. و هو، أعنى الجرم السماوىّ، فى جوهره على كماله الأقصى. إذ لم يبق له فى جوهره أمر بالقوّة. و كذلك فى كمه و كيفه، إلّا فى