المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٣٤ - فصل ٢٥ فى إثبات المحرّك لكلّ حركة، و أنّه غير المتحرّك
و لم يظهر منه امر، يمكن بهذا القياس أن يثبت بعد أن يوضع إمكان وجود ما كيف كان. فلنورد الآن ما هو المشهور فى إثباته، و هو طريق الاستدلال، و خصوصا من الحركة، و نسلك السبيل التي سلكها «الفيلسوف» فى كتابيه الكليّين، أحدهما فى كليّات الأمور الطبيعيّة، و هو «السماع الطبيعى» و الثاني فى كليّات امور ما بعد الطبيعة، و هو كتاب «ما بعد الطبيعة».
[فصل ٢٥] فى إثبات المحرّك لكلّ حركة، و أنّه غير المتحرّك
فنقول: أوّلا، إنّ كلّ جسم متحرك فانّ له فى حركته علّة. أمّا المتحرك بأسباب من خارج، مثل المدفوع و المجذوب. و المدار يدفع من جانب و يجذب من جانب، فالأمر فى أنّ حركته من غيره ظاهر.
و أمّا الذي لا يرى و لا يعرف له محرّك من خارج فلنبرهن على أنّ حركته من غيره، و لنختر لذلك براهين ثلاثة:
أوّلها: أنّ الأجناس فى الأشياء المركّبة يمكن أن تتجرّد عن جنسيّتها، و يعتبر لها ما تصير به أنواعا بل أشخاصا، لا بفصول بل بنفس طبيعتها. مثال ذلك أنّ الجسم جنس فى المعقولات للانسان و الفرس و أنواع الحيوان و النبات و غير ذلك؛ و لأنّ كلّ واحد منها له مادّة حاملة للكميّة، فتلك المادّة مع تلك الكميّة جسم أيضا.
و الجسم هو مقول عليه و على نظيره، مثل الثاني، قول النوع الأوّل، لا قول الجنس، و ذلك لأنّ تلك المادّة مع تلك الصورة غير مختلف فى الاثنين لشىء داخل فى ماهيّته. نعم قد يقترن بكل واحد منهما شىء خاصّ مثلا، أحدهما معه حرارة و الآخر معه برودة، و لكنّهما خارجان عن ذاتي الشيئين، و إن كان لا يخلو منهما.
مثل أنّ البياض نوع آخر يقال على بياض الثلج و بياض الجصّ، و لا يوجب اقتران البياض بذينك و ما أشبههما ضرورة و لا خلوّه عنهما أن يقترن