المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٢٣ - فصل ١٨ فى التجرّد لاثبات واجب الوجود، و بيان أنّ الحوادث تحدث بالحركة و لكن تحتاج الى علل باقية و بيان الأسباب القريبة المحرّكة و أنّها كلّها متغيّرة
علّة ممكنة الوجود فى هذه الجملة، فهى إذا خارجة عنها و واجبة الوجود بذاتها.
فقد انتهت الممكنات الى علّة واجبة الوجود، فليس لكلّ ممكن علّة ممكنة معه.
و أقول أيضا: إنّ هذا يتبيّن بما فى كتب اخرى أنّ وجود العلل الغير المتناهية فى زمان واحد محال، و نحن لا نطوّل الكلام بالاشتغال بذلك.
[فصل ١٧] فى أنّه لا يمكن أن يكون الممكنات فى الوجود بعضها علّة لبعض على الدور فى زمان واحد و إن كان عددها متناهيا
و لنقدّم مقدّمة اخرى فنقول: إن وضع عدد متناه من ممكنات الوجود بعضها علّة لبعض فى الدور فهو أيضا محال. و يبيّن بمثل بيان المسألة الأولى، و يخصّه أنّ كلّ واحد منها يكون علّة لوجود نفسه و معلولا لوجود نفسه، و حاصل الوجود عن شىء إنّما يحصل بعد حصوله بالذات؛ و ما توقّف وجوده على وجود ما لا يوجد إلّا بعد وجوده، البعديّة الذاتيّة، فهو محال الوجود. و ليس حال المتضايفين هكذا، فانّهما معا فى الوجود، و ليس يتوقّف وجود أحدهما ليكون بعد وجود الآخر، بل يوجدهما معا العلّة الموجبة لهما و المعنى الموجب ايّاهما.
فان كان لأحدهما تقدّم و للآخر تأخّر، مثل الأب و الابن، فتقدّمه من جهة غير جهة الاضافة، فانّه يتقدّم من جهة حصول الذات، و يكونان معا من جهة الاضافة الواقعة بعد حصول الذات. و لو كان الاب يتوقّف وجوده على وجود الابن، و الابن يتوقف على وجود الأب ثمّ كانا ليسا معا بل أحدهما بالذات بعد، لكان لا يوجد و لا واحد منهما، و ليس المحال هو أن يكون وجود ما يوجد مع الشىء شرطا فى وجوده، بل وجود ما يوجد عنه و بعده.
[فصل ١٨] فى التجرّد لاثبات واجب الوجود، و بيان أنّ الحوادث تحدث بالحركة و لكن تحتاج الى علل باقية و بيان الأسباب القريبة المحرّكة و أنّها كلّها متغيّرة