المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٧٢ - فصل ٥١ فى أن أجسام الفلك مختلفة الأنواع و كلّ نفس تخالف الاخرى فى النوع، و كلّ عقل يخالف الآخر فى النوع
[فصل ٥١] فى أن أجسام الفلك مختلفة الأنواع و كلّ نفس تخالف الاخرى فى النوع، و كلّ عقل يخالف الآخر فى النوع
و قد عرض للأوائل اختلاف فى طبيعة الجرم السماوىّ، فبعضهم يرى أنّ تلك الطبيعة واحدة بالنوع فيها و تختلف بالشخص. و المحصّلون على أنّ الطبيعة الخامسة جنسيّة، و تحتها أنواع، و كلّ نوع منها فى شخص واحد، لكماله، فكلّ كرة نوع، و كلّ كوكب نوع، و لو لا ذلك لما افترقت فى أمكنتها، و فى حركتها، او فى وضعها.
و قد عرض شبه هذا الاختلاف فى الأنفس المحرّكة لها: فقوم جعلوها من نوع الأنفس النطقية التي لنا، و هذا بعيد غاية البعد. و قوم جعلوها نوعا آخر، لكن هى فى ما بينهما لا تختلف بالنّوع، بل تختلف بالشرف و الدنوّ. و كذلك جعلوا العقول المفارقة كلّها نوعا واحدا و تختلف بالشرف و الدنوّ. و زعموا أنّه ليس يجب أن يكون كلّ نقصان بدخول الضدّ. فاستعانوا فى ذلك بأمثلة جزئيّة. و قد غرّهم فى ذلك كلام الاسكندر بأنّها مختلفة فى النوع و لكن لا اختلافا بعيدا؛ و هذا القول فى أوّله تصريح باختلافها، و ليس فى آخره نقض لذلك؛ فانّ المختلفات فى النوع منها متقاربة، مثل الأحمر و الأخضر، و منها متباعدة، مثل الأحمر و الأقتم.
و لكن الحقّ هو أنّ هذه معان، و المعانى لا تختلف فى استحقاق أن يكون هذا علة و هذا معلولا، و هذا علّة لشىء لذاته كذا، و هذا علّة لشىء مخالف لذلك، و كلّ واحد منهما علة لذاته و جوهره، على ما نوضحه. إلّا و فيها اختلاف معنوىّ و هو المباينة النوعية. و المتّفقات فى المعنى و لا مادّة و لا فعل و لا انفعال لا تختلف أيضا فى الشرف و الدناءة بسبب ما اتفقت فيه من المعنى، بل بسبب آخر فى ذاتها. و لا يجوز أن يكون بسبب عارض، فانّ بعض هذه لا مادّة لها و لا تنفعل. ثم إن