المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١١٥ - فصل ١٦ الشروع فى ذكر النبّوة و أنّ الانبياء كيف يوحى اليهم بالمعقولات بلا تعلّم بشرىّ
تصير هذه الأنفس أنفسا لذلك الجرم و مدبّرة له؛ فانّ هذا لا يمكن، بل يستعمل ذلك الجرم لامكان التخيّل، ثم تتخيّل الصور التي كانت معتقدة عنده و فى وهمه.
فان كان اعتقاده فى نفسه و فى افعاله الخير و موجب السعادة، رأى جميلا، فيتخيّل أنّه مات، و قبر، و كان ساير ما فى اعتقاده للأخيار.
قال: و يجوز أن يكون هذا الجرم متولدا من الهواء و الأدخنة و الأبخرة، مقارنا لمزاج الجوهر الذي يسمّى روحا، الذي لا يشكّ الطبيعيّون أنّ تعلّق النفس به، لا بالبدن، و أنّه لو جاز أن لا يتحلّل ذلك الروح مفارقا للبدن و الأخلاط، و يقوم، لكانت النفس تلازمه الملازمة النفسانيّة.
قال: و أضداد هؤلاء من الأشرار يكون لهم الشقاوة الوهميّة أيضا، و يتخيلون أنّه يكون لهم جميع ما قيل فى «السنّة» التي كانت لهم من العقاب للأشرار؛ و إنّما حاجتها إلى البدن فى هذه السعادة و الشقاوة، بسبب أنّ التخيّل و التوهم إنّما يكون بآلة جسمانيّة.
و كلّ صنف من أهل الشقاوة و السعادة يزداد حاله باتصاله بما هو من جنسه و باتصال ما هو جنسه بعده به.
و السعداء الحقيقيون يتلذّذون بالمجاورة، و يعقل كل واحد ذاته و ذات ما يتصل به، و يكون اتصال بعضها ببعض، لا على سبيل اتصال الأجسام، فتضيق عليها الأمكنة بالازدحام و لكن على سبيل اتصال معقول بمعقول، فيزداد فسحة بالازدحام.
[فصل ١٦] الشروع فى ذكر النبّوة و أنّ الانبياء كيف يوحى اليهم بالمعقولات بلا تعلّم بشرىّ
الناس المستحقون لاسم الانسانيّة هم الذين يبلغون فى الآخرة السعادة الحقيقيّة، و هؤلاء على مراتب أيضا. و أشرفهم و أكملهم الذي يختصّ بالقوّة