المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١٤ - فصل ١١ فى أنّ واجب الوجود واحد من وجوه شتى، و البرهان على أنّه لا يجوز أن يكون اثنان واجبى الوجود
نفس وجوب الوجود وجب أن يكون لكلّ واجب الوجود، فكلّ ما يوجد لكلّ واحدة من الماهيّتين يوجد للاخرى. فلا يكون بينهما انفصال بتّة بمقوّم، و قد وضع بينهما اختلاف فى النوع، هذا خلف.
و أمّا إن لم يكن شرطا فى نفس وجوب الوجود- و ما ليس بشرط فى شىء فالشيء يتمّ دونه- فوجوب الوجود يتمّ دون ما اختلفا فيه، فيكون ما اختلفا فيه عارضا لوجوب الوجود، و هما متّفقان فى ماهيّة وجوب الوجود و نوعيّته، و اختلفا بالعوارض دون الأنواع، هذا خلف.
فان جعل الشرط فى وجوب الوجود أحدهما لا بعينه فليس أحدهما بعينه شرطا فتساويا فى أنّه ليس أحدهما شرطا، فكيف يكون أحدهما لا بعينه شرطا؟
فان قال قائل: هذا مثل المادّة فانّها ليست هذه الصورة لها بعينها شرطا و لا ضدّها و لكن أحدهما لا بعينه، او مثل أنّ اللون لا يتقرّر وجوده إلّا أن يكون سوادا او بياضا لا بعينه و لكن أحدهما.
فقد ذهب عليه الفرق: أمّا المادّة فاحدى الصورتين لها بعينها شرط فى زمان، و الاخرى ليست بشرط فى ذلك الزمان، و فى الزمان الآخر لها الصورة الاخرى شرط بعينها، و الاولى ليست بعينها؛ و كلّ واحدة منهما فى نفسها ممكنة لها إذا أخذت مطلقة بلا شرط؛ و المادّة ممكنة أيضا، فاذا وجبت وجبت بعلّة إحدى الصورتين و وجبت تلك الصورة بعينها و كيف ما كانت الحال، فانّ المادّة سواء كانت إحداهما شرطا فى وجوبها بعينها او إحداهما لا بعينها فلها شرط فى الوجوب غير نفس طبيعتها، و لو كان لوجوب الوجود شرط متعلّق بشيء خارج عنه لما كان وجوب وجود بالذات.
و أمّا اللونيّة فليست تصير لونيّة بسواد او بياض، بل هى لونيّة بأمر يعمّهما، لكن لا توجد مفردة إلّا مع فصل كلّ واحد منهما، فليس و لا واحد من الأمرين للّونيّة بشرط فى اللونيّة، و لكنّه شرط فى الوجود، ثمّ فى كلّ زمان و فى كلّ مادّة،