المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٤٠ - فصل ٢٩ مقدمة إلى الغرض المذكور و هو أنّ كلّ حادث فله مادّة متقدّمة لوجوده
اوفق للعمل دون وقت، او تهيّؤ و استعداد من القابل لم يكن؛ فانّه كيف كان محدوثه متعلّق بالحركة لا يمكن غير هذا.
[فصل ٢٨] فى بيان ذلك بالتفصيل
فلنرجع الآن الى التفصيل فنقول: إن كانت العلّة الفاعلة و القابلة موجدتى الذات، و لا فعل و لا انفعال فيهما فيحتاج إلى وقوع نسبة بينهما توجب الفعل و الانفعال: إمّا من جهة الفاعل، مثل إرادة موجبة للفعل، او طبيعة موجبة للفعل، او آلة، او زمان؛ و إمّا من جهة الانفعال القابل، مثل استعداد لم يكن؛ او من جهتهما جميعا، مثل وصول أحدهما إلى الآخر، فقد وضح أنّ جميع هذا بحركة.
و أمّا إن كان الفاعل موجودا و لم يكن قابل البته، فهذا محال. أمّا أوّلا فلأنّ القابل، كما بينّا، لا يحدث إلّا بحركة، فيكون قبل الحركة حركة؛ و أمّا ثانيا فلانّه لا يمكن أن يحدث ما لم يتقدّمه وجود القابل، و هو المادّة، و لنبرهن على هذا
[فصل ٢٩] مقدمة إلى الغرض المذكور و هو أنّ كلّ حادث فله مادّة متقدّمة لوجوده
فنقول: إنّ كلّ كائن فيحتاج أن يكون قبل كونه ممكن الوجود فى نفسه، فانّه إن كان ممتنع الوجود فى نفسه لم يكن البتّة و ليس إمكان وجوده هو أنّ الفاعل قادر عليه، بل الفاعل لا يقدر عليه إذا لم يكن هو فى نفسه ممكنا.
أ لا ترى أنّا نقول: إنّ المحال لا يقدر عليه، و لكنّ القدرة على ما يمكن أن يكون، فلو كان إمكان كون الشىء فى نفس القدرة عليه كان هذا القول كأنّا نقول:
إنّ القدرة إنّما تكون على ما عليه القدرة، و المحال ليس عليه القدرة، لأنّه ليس عليه قدرة.
و ما كنّا نعرف أنّ هذا الشىء مقدور عليه او غير مقدور عليه بنظرنا فى نفس الشىء، بل بنظرنا فى حال قدرة القادر عليه هل عليه قدرة ام لا.