المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٧٦ - فصل ١ فى أنّ الموجودات كيف تكون عن الأوّل و فى تعريف فعله
لنظام الخير فى الوجود كيف ينبغى أن يكون، لا عقلا خارجا عن القوّة إلى الفعل، و لا عقلا منتقلا من معقول إلى معقول، فانّ ذاته بريئة عمّا بالقوّة من كلّ وجه، على ما أوضحنا قبل، بل عقلا واحدا معا. و يلزم ما يعقله من نظام الخير فى الوجود أنّه كيف يمكن و كيف يكون وجود الكلّ على مقتضى معقوله. فانّ الحقيقة المعقولة عنده هى بعينها على ما علمت علم و قدرة و إرادة. و أمّا نحن فنحتاج فى تنفيذ ما نتصوّره إلى قصد و إلى حركة و الى إرادة حتى يوجد، و هذا لا يحسن فيه ذلك و لا يصحّ لبراءته عن الاثنينية على ما أطنبنا فيه. فتعقّله علّة الوجود على ما يعقله.
و وجود ما يوجد عنه على سبيل لزوم لوجوده، و تبع لوجوده، لا أنّ وجوده لأجل وجود شىء آخر. و هو فاعل الكلّ، بمعنى أنّه الموجود الذي يفيض عنه كلّ وجود، و وجوده بذاته، و مباين لكلّ وجود غيره.
و ليس معنى قولنا «إنّه فاعل الكلّ» هو أنّه معطى الكلّ وجودا جديدا بعد تسلّط العدم على الكلّ، و إن كان هذا هو معنى فاعل الكلّ عند العامّة. و حينئذ يطالبون أنّ هذا الفاعل هو فاعل من جهة أنّ وجودا صدر عنه، او من جهة أنّه لم يكن الوجود يصدر عنه، او من جهة اجتماع الأمرين.
فان كان من جهة أنّ وجودا صدر عنه و لا يعتبر حال عدم ذلك الوجود، فالفاعل الأفضل هو الذي عنه الوجود أدوم.
و إن كان فاعلا لأنّه لم يعط الوجود؛ فقد صار غير فاعل إذا اعطى الوجود أى من جهة أنّه لا يصدر عنه.
و إن كان فاعلا لأنّه اعطى الوجود لما كان ليس له وجود و كان لا يعطيه الوجود، فليست الفائدة منه فى ذلك العدم السابق. فان ذلك العدم لم يكن يحتاج إلى علّة، بل إلى عدم العلّة، لكنّ الفائدة منه أنّ لغيره منه وجودا، و هو فضيلة هذه الصفة الّتي تسمّى فعلا. فان كان الاسم لهذا الغرض خرج بشرط العدم فالاسم فاعل؛ و إن أبى إلّا أن يكون الفعل لما تقدّمه العدم، فانّا حينئذ