المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٢٦ - فصل ١٩ فى بيان أنّ كلّ حادث فثباته بعلّة لتكون مقدّمة معينة فى الغرض المذكور قبله
و بالشرط، فلم يزل متعلّق الوجود بالغير. و كلّ ما احتيج فيه الى غير و شرط فهو يحتاج إلى سبب. فقد بان أنّ ثبات الحادث و وجوده بعد الحدوث يفيد الحدوث بسبب يمدّ وجوده، و أنّ وجوده بنفسه غير واجب.
و ليس لأحد من المنطقيّين أن يعترض علينا فيقول: إنّ الامكان الحقيقىّ هو الكائن فى حال العدم للشىء، و إنّ كلّ ما وجد فوجوده ضرورىّ؛ فان قيل له:
«ممكن» فباشتراك الاسم، فانّه يقال له: قد بينّا فى كتبنا المنطقيّة أنّ اشتراط العدم للممكن الحقيقىّ اشتراط غير صحيح فى أن يجعل جزء حدّ للممكن، بل هو أمر يتفق و يلزم الممكن فى أحوال، و بيّنا أنّ الموجود ليس ضروريّا، لأنّه موجود، بل بأن يشترط شرط، و هو إمّا وضع الموضوع، او المحمول، او العلّة و السبب، لا نفس الوجود، فينبغى أن تتأمّل ما قلناه فى الكتب المنطقيّة، فتعلم أنّ هذا الاشتراط غير لازم، فان نظرنا هاهنا هو فى الواجب بذاته و الممكن بذاته، فان كان الحصول يلحقه بالضرورىّ الوجود، فانّ العدم أيضا يلحقه بالضرورىّ العدم، و لا يحفظ عليه الامكان، فانّه كما أنّه متى كان موجودا كان واجبا أن يكون موجودا، ما دام موجودا، كذلك متى كان معدوما كان واجبا أن يكون معدوما، ما دام معدوما؛ لانّ نظرنا هاهنا فى الواجب بذاته و الممكن بذاته، و نظرنا فى المنطق ليس كذلك.
فبيّن من هذا أنّ المعلولات مفتقرة فى إثبات وجودها الى العلّة، كيف و قد بيّنا أنّه لا تأثير للعلّة فى العدم السابق، فانّ علّته عدم العلّة و أن يكون هذا الوجود بعد العدم، فانّ هذا من المستحيل أن لا يكون إلّا هكذا، فانّ الحادثات لا يمكن أن يكون لها وجود إلّا بعد عدم، فالمتعلّق بالعلّة هو الموجود الممكن فى ذاته، لا لشىء من كونه بعد عدم او غير ذلك. فيجب أن يدوم هذا التعلق، فيجب أن تكون العلل التي لوجود الممكن فى ذاته من حيث وجوده الموصوف مع المعلول.