المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٨٨ - فصل ١١ فى الاشارة إلى عناية الصانع و عدله و آثار حكمته على السماوات و الأرض
أغنى، ثمّ أمر أن يكشف بطنها، فما أثّر، ثمّ أمر أن يكشف عورتها، فلما حاولن الجوارى ذلك نهضت فيها حرارة قويّة أتت على الريح الحادثة تحليلا، فانزعجت مستقيمة سليمة.
[فصل ١١] فى الاشارة إلى عناية الصانع و عدله و آثار حكمته على السماوات و الأرض
و لنعد الآن إلى الرأس و نقول: إنّه لمّا كان علم الحقّ الأوّل بنظام الخير فى الوجود علما لا نقص فيه و كان ذلك العلم سببا لوجود ما هو علم به حصل الكلّ فى غاية الاتقان، لا يمكن أن يكون الخير فيه إلّا على ما هو عليه، و لا شىء ممّا يمكن أن يكون للكلّ إلّا و قد كان له.
و كلّ شىء من الكلّ على جوهره الذي ينبغى له. و إن كان منفعلا فعلى انفعاله الذي ينبغى، و إن كان مكانيّا ففى مكانه الذي ينبغى، و إذا كان الخير فيه هو أن يكون منفعلا قابلا للأضداد فمدّته مقوّمة بين الضديّن على العدل: إذا كان أحدهما بالفعل فهو الآخر بالقوّة، و الذي بالقوّة حقّ أن يصير بالفعل مرّة. و لكل ذلك أسباب معدّة. و ما عرض له من ذلك أن يزول عن كماله بالقسر، فانّ فيه قوّة تردّه إلى الكمال، و جعلت الاسطقسات قابلة للقسر حتّى يمكن فيها المزاج، و يمكن بقاء الكائنات منها بالنوع. فانّ ما أمكن بقاؤه بالعدد أعطى السبب المستبقى له على ذلك. و كانت القسمة العقليّة توجب باقيات بالعدد و باقيات بالنوع. فوفّى الكلّ وجوده. و رتّبت للاسطقسات مراتبها فاسكن النار منها أعلى المواضع و فى مجاورة الفلك. و لو لا ذلك لكان مكانها فى موضع آخر، و عند الفلك مكان جرم آخر تلزمه السخونة لشدّة الحركة فيضاعف الحارّ بالفعل و يغلبان ساير الاسطقسات فيزول العدول.
و لمّا كان يجب أن يغلب فى الكائنات التي تبقى بها الأنواع عناية الجوهر اليابس و الصلب و مكان كلّ كائن حيث يكون مكان الغالب عليه وجب أن تكون