المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١١١ - فصل ١٤ فى الدلالة على السعادة الآخريّة الحقيقيّة و أنّها كيف تتم بالعقل النظرىّ و العملىّ معا، و أنّ الأخلاق الرديّة كيف تضادّها، و لم امرنا بالعدالة، و الاشارة إلى الشقاوة التي تقابلها
لكنّ اللذّة هى الاحساس بذلك الرجوع من جهة ما ذلك الرجوع ملائم. و بالجملة فانّ اللذة الحسيّة هى الاحساس بالملائم، و كذلك كلّ لذّة و ملائم كلّ شىء هو الخير الذي يخصّه، و الخير الذي يخصّ الشىء هو كماله الذي هو فعله، لا قوّته.
فملائم النفس الناطقة تعقّل الخير المحض و الموجودات الكائنة عنه على النظام الذي يجعلها فى واحدة واحدة مستفادة من الواحد الحق و تعقّل ذاته.
فادراك النفس الناطقة لهذا الكمال هو لذّتها.
و قد يجوز أن يكون الكمال الذي للشىء بالطبع قد يصل إليه و يحصل له و يدركه، فلا يلتذّ به، او يشتهى و يلتذّ ما ليس بالحقيقة لذيذا لسبب خارج، لأنّ هذا أمر غريب غير ذاتيّ له، فسببه عارض غريب، لا محالة. و هذا مثل ما أنّ الحاسّة الذوقيّة إذا عرض لها آفة لم تستطب الحلو، و لم تلتذّ به، و ربّما اشتهت من الطعوم ما ليس لذيذا بالحقيقة. و كذلك الشمّ للروائح. و السّبب فى ذلك أن لا تشعر بالملائمة.
و كذلك ليس بعجيب أن لا تستلذّ النفس الناطقة بما يحصل لها من كمالها، و تستلذّ غير ذلك، إمّا لمرض نفسانىّ، و إمّا للبدن الذي يقارنها.
و كما أنّ الآفة إذا زالت عن الحاسّة عادت الى مالها بالطبع، فكذلك مقارنة النفس للبدن إذا بطلت و رجعت النفس إلى جوهرها وجب أن يكون لها من اللذة و السعادة ما لا يمكن أن يوصف او يقاس به اللذّة الحسيّة، و ذلك لأنّ اسباب هذه اللذّة أقوى و اكثر و الزم للذات.
فامّا قوّتها، فلأنّ الادراك عقلى محصّل لحقيقة الشىء الملائم و الخير الخاصّ بالمدرك. و أمّا الشهوانىّ فادراكه ظاهرىّ غير متوغّل إلى حقيقة الشىء الملائم، بل إنّما يتصل إلى ظاهره و بسيطه، و كذلك ما يجرى مجراها. و لأنّ المدرك و المنال ليس مأكولا او رائحة او ما أشبهها بل الشىء الذي هو البهاء