المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٥٤ - فصل ٤١ فى أنّه لا يجوز أن يكون المحرّك الأقرب للسماويات عقلا مجرّدا عن المادّة صريحا
و أيضا فانّ كلّ قوّة فانّما تحرّك بتوسّط الميل، و الميل هو المعنى الذي يحسّ فى الجسم المتحرّك، و إن سكن قسرا أحسّ ذلك الميل فيه كأنه يقاوم المسكن مع سكونه طلبا للحركة؛ فهو غير الحركة لا محالة، و غير القوّة المحرّكة؛ لأنّ القوّة المحرّكة تكون موجودة عند إتمامها الحركة و لا يكون الميل موجودا.
فهكذا أيضا الحركة الاولى، فانّ محرّكها لا يزال يحدث فى جسمها ميلا بعد ميل، و ذلك الميل لا يمتنع أن يسمّى طبيعة لأنّه ليس بنفس، و لا من من خارج، و لا له إرادة او اختيار، و لا يمكنه أن لا يحرّك، او أن يحرّك إلى غير جهة محدودة، و لا هو مع ذلك مضاد لمقتضى طبيعة ذلك الجسم الغريب.
فان سمّيت هذا المعنى طبيعة كان لك أن تقول: إنّ الفلك يتحرّك بالطبيعة، إلّا أنّ طبيعته فيض عن نفس يتجدّد بحسب تصوّر النفس. فقد بان أنّ الفلك ليس مبدأ حركة طبيعيّة، و قد بان أنّه ليس قسرا، فهى عن إرادة لا محالة.
[فصل ٤١] فى أنّه لا يجوز أن يكون المحرّك الأقرب للسماويات عقلا مجرّدا عن المادّة صريحا
فنقول: و لا يجوز أن يكون مبدأ حركته القريب قوّة عقلية صرفة لا تتغير و لا تتخيّل الجزئيّات البتّة، و كأنّا قد أشرنا إلى جمل ممّا يعين فى معرفة هذا المعنى فى الفصول المتقدّمة من هذا الكتاب، إذ أوضحنا أنّ الحركة معنى متجدّد، و كلّ جزء منه فائت لاثبات له.
و لا يجوز أن يكون عن معنى ثابت البتة وحده. فان كان معنى ثابتا فيجب أن يلحقه ضروب من تبدّل الا حوال.
أمّا إن كانت الحركة عن طبيعة فيجب أن يكون كلّ حركة تتجدّد فيه فلتجدّد قرب و بعد من النهاية. و أمّا عن الثابت من جهة ما هو ثابت فلا يكون إلّا ثابتا.
و أمّا إن كانت عن ارادة فيجب أن تكون عن إرادة متجدّدة جزئيّة، فانّ