المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٢٠ - فصل ١٤ فى تحقيق وحدانيّة واجب الوجود بانّ علمه لا يخالف قدرته و ارادته و حكمته و حياته فى المفهوم، بل ذلك كلّه واحد فلا تتجزّى لها ذات الواحد المحض
عن الفلك بالرصد و الحسّ صورته المعقولة؛ و قد تكون الصورة الموجودة مأخوذة عن المعقولة، كما أنّا نعقل صورة ما نخترعها، ثم تكون تلك الصورة المعقولة محرّكة لأعضائنا إلى أن نوجدها، فلا تكون وجدت فعقلناها، و لكن عقلناها فوجدت.
و نسبة الكلّ إلى العقل الأوّل الواجب الوجود هو هذا، بأنّه يعقل ذاته و ما يوجبه ذاته من كيفيّة كون الخير فى الكلّ فيتبع صورته المعقولة صور الموجودات على النظام المعقول عنده، لا على أنّها تابعة اتّباع الضوء للمضىء و الاسخان للحارّ، بل نفس وجود معقول الكلّ عنده هو الخير المحض الذي يخصّه و يعقل أنّها معقولات ذواتها علل موجدة للكل.
ثمّ هذا هو الارادة التي تخصّه، فليست إرادته كارادتنا، و هو قصد منّا، بعد ما لم يكن، لقوّة اخرى غير قوّة التصوّر، لكوننا تارة بالقوّة و تارة بالفعل، و كون قوانا مختلفة، و احتياجنا فى إصدار ما يخصّنا إلى استعمال قوى مختلفة؛ و أمّا واجب الوجود إن كان مبدأ للكلّ فلا يجوز أن يكون غير هذه الجهة، فانّه إن كان يعقل الكلّ و لا يعقل أنّها منه و منسوبة اليه، فيعقل الكلّ من الكلّ، لا من ذاته، و قد منعنا هذا. فاذا كان يعقل الكلّ على أنّه منه فى رتبته و معقوله و معشوقه و لذيذ عنده، مثل ما أوضحناه. فعقله للكلّ على الجهة التي تخصّه هى إرادة، لا شىء آخر.
و هذه الجهة هى أن يعقل ذاته مبدأ للكلّ بالقصد الثاني، فعقل الكلّ بالقصد الثاني، و معقوله بالحقيقة واحد، و ذاته منسوبة إلى الكلّ نسبة المبدأ، و هذا حياته.
فانّ الحياة التي عندنا تكمل بادراك و فعل هو التحريك ينبعثان عن قوّتين مختلفتين، و قد صحّ أنّ نفس مدركه و هو ما يعقله عن الكلّ هو سبب الكلّ، و هو بعينه مبدأ فعله، و ذلك ايجاد الكلّ. فمعنى واحد منه هو إدراك و تهيّؤ للايجاد. فالحياة منه ليست تتمّ بقوّتين، و لا الحياة منه غير العلم، و لا شىء من ذلك غير ذاته.