المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٣٦ - فصل ٢٥ فى إثبات المحرّك لكلّ حركة، و أنّه غير المتحرّك
البياض و السواد، و يمكن ذلك للجسميّة.
و إذا قرّرنا هذا فنقول: إنّ الجسم لو كان متحرّكا بذاته لكان كلّ جسم متحركا. فاذا كلّ جسم متحرّك فله علّة تحرّكه.
و لا ينقض هذا قول القائل: إنّ البياض لو كان اللون الذي يقارنه بياضا لذاته لكان كلّ لون بياضا. فاذا كلّ لون فانّما تبيّضه بعلّة، و هذا محال.
و ذلك أنّ اللونيّة المطلقة لا يصير لها فى الوجود نوعيّة، حتّى يكون اختلافها بعد اللونيّة لعلل خارجة عن الذات فانّما يعقل مفردا عند العقل فيوجد عند العقل له علل فى الاختلاف خارجة، و هى الفصول، فانّ الفصول فى التعقّل كأشياء خارجة عن طبيعة الجنس، و أمّا فى الوجود فلا يكون فى البسائط كذلك، و فى المركّبات و قد نقلت طبيعة الجنس إلى طبيعة نوعيّة، فتكون حينئذ الفصول عللا صوريّة خارجة عن ذات الطبيعة الجنسيّة.
فاذا تقرّر هذا فبيّن أنّ الجسميّة فى الوجود تلحقه علل تجعل هذا الجسم متحرّكا دون ذلك الجسم فى الوجود، لا فصول فى التوهّم، فكلّ متحرّك متحرّك بعلّته.
و أمّا البرهان الثاني فانّه لو كان الجسم متحرّكا لذاته لما كان توهّم أمر فى غيره، أىّ أمر كان، يوجب أن تبطل الحركة عن ذاته، و توهّم السكون فى جزئه توهّم أمر فى غيره، و هو يوجب بطلان الحركة عن ذاته، فليس الجسم متحرّكا لذاته، فاذا للجسم محرّك.
و البرهان الثالث أنّ الحركة أمر يحدث دائما، و كل حادث فله علّة محدثة.
فكل حركة لها علّة محدثة، و هذا هو المحرّك. فامّا أن يكون هو المتحرّك نفسه او شىء غيره، و لا يجوز أن يكون هو المتحرك نفسه، لأنّ المحرّك من جهة ما هو محرّك هو مفيد لوجود الحركة، و المتحرك من جهة ما هو متحرّك هو مستفيد لوجود الحركة. و لا يجوز أن يكون شىء واحد من جهة واحدة مفيدا قد