المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٢١ - فصل ١٤ فى تحقيق وحدانيّة واجب الوجود بانّ علمه لا يخالف قدرته و ارادته و حكمته و حياته فى المفهوم، بل ذلك كلّه واحد فلا تتجزّى لها ذات الواحد المحض
و أيضا فانّ الصورة المعقولة التي تحدث فينا فتكون سببا للصورة الموجودة الصناعيّة، لو كانت بنفس وجودها كافية لأن تتكوّن منها الصورة الصناعيّة بأن تكون صورا هى بالفعل مباد لما هى له صور، لكان المعقول عنه ما هو بعينه القدرة، و لكن ليس كذلك؛ بل وجوده لا يكفى فى ذلك، لكن يحتاج إلى إرادة متجدّدة منبعثة من قوّة شوقيّة يتحرك منها معا القوّة المحرّكة، فتحرّك العصب و الأعضاء الآليّة، ثمّ تحرّك تلك الآلات، فلذلك لم تكن نفس وجود هذه الصورة المعقولة قدرة و لا إرادة، بل عسى القدرة فينا عند المبدأ المحرّك.
و أمّا واجب الوجود فلا يجوز أن تكون ذاته حاملة لارادة او قدرة غير الماهيّة او قوى مختلفة فى الماهيّة هى غير الماهيّة المعقولة التي هى ذاته؛ فانّها إن كانت واجبة الوجود كان واجب الوجود اثنين، و إن كان ممكن الوجود كان واجب الوجود ممكن الوجود من جهة، و قد ابطلنا هذا.
فاذا ليس ارادته مغايرة الذات لعلمه و لا مغايرة المفهوم لعلمه، و قد بيّنا أنّ العلم الذي له هو بعينه الارادة التي له، و كذلك سنبيّن أنّ القدرة التي له هى كون ذاته عاقلة للكلّ عقلا هو مبدأ الكلّ، لا مأخوذا عن الكلّ، و مبدأ بذاته لا متوقّفا على وجود شىء، و أنّ القدرة ليست صفة لذاته و لا جزءا من ذاته، بل المعنى الذي هو العلم له هو بعينه القدرة له.
فبان أنّ المفهوم من الحياة و العلم و القدرة و الجود و الارادة المقولات على واجب الوجود مفهوم واحد، و ليست لا صفات ذاته و لا اجزاء ذاته.
و أمّا الحياة على الاطلاق و العلم على الاطلاق و الارادة على الاطلاق فليست واحدة المفهوم، و لكن المطلقات متوهّمة و الموجودات غير مطلقة، بل لكلّ ما يجوز أن يكون له. و إنّما كلامنا فى أمره و العلم و القدرة التي يجوز أن يوصف بها الواجب الوجود، و إذا كان كذلك كان وجود لوازمه الصادرة عنه هو وجوب وجودها، و أيضا هو علمه بوجوب وجودها.