المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٨٢ - فصل ٤ فى أنّه كيف يكون الثوانى عن المعلول الأوّل
فى المرتبة؛ فلا تكون عقولا بسيطة و مفارقة، فانّ العلل المعطية للوجود أكمل وجودا. أمّا القابلة للوجود فيكون أخسّ وجودا فيجب أن يكون المعلول الأوّل عقلا واحدا بالذات.
و لا يجوز أن تكون عنه كثرة متفقة النوع، و ذلك لأنّ المعانى المتكثرة التي فيه و بها يمكن وجود الكثرة فيه: إن كانت مختلفة الحقائق، كان ما يقتضيه كلّ واحد منها شيئا غير ما يقتضى الآخر فى النوع، فلم يلزم كلّ واحد منها ما يلزم الآخر، بل طبيعة اخرى، و إن كانت متفقة الحقائق فبما ذا تخالفت و تكثّرت و لا مادّة هناك. فاذن المعلول الأوّل لا يجوز عنه وجود كثرة الا مختلفة النوع.
فليست هذه أيضا كائنة عن المعلول الأوّل بلا توسّط علة اخرى موجودة. و كذلك عن كل معلول حتّى ينتهى إلى معلول كونه مع كون الاسطقسات القابلة للكون و الفساد المتكثرة بالعدد و النوع معا. فيكون تكثّر القابل سببا لتكثر فعل مبدأ واحد الذات. و هذا بعد استتمام وجود السّماويات كلها، فيلزم دائما عقل بعد عقل حتى تتكون كرة القمر ثم تتكوّن الاسطقسات و تتهيأ لقبول تأثير واحد بالنوع كثير بالعدد من العقل الأخير، فانّه إذا لم يكن السبب فى الفاعل وجب فى القابل ضرورة.
فاذن يجب أن يحدث عن كلّ عقل عقل تحته و يقف حتى يكون القوى العقليّة منقسما متكثّرا فهناك ينتهى. و هذا برهان فى هذا الباب إذا استقصى قوى جدّا.
فقد بان و اتّضح أنّ كلّ عقل هو أعلى فى المرتبة فانّه بمعنى فيه، و هو أنّه بما يعقل الأوّل يجب عنه وجود عقل آخر دونه، و بما يعقل ذاته يجب عنه النفس الفلكيّة، و بما هو ذو مادّة فيجب عنه جرم الفلك. و جرم الفلك كائن عنه و مستبقى بتوسّط النفس الفلكيّة، فانّ كلّ صورة فهى علّة لأن تكون مادّتها بالفعل، لأنّ المادّة نفسها لا قوام لها. فليصادر على هذا، و بيانه طويل.