المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٧٤ - فصل ٥٢ فى تعريف جرم الكلّ و نفس الكلّ و أنّها بالقوّة من وجه و عقل الكلّ و انّه بالفعل دائما
و اعلم أنّ اسم السماء و اسم الكلّ و اسم العالم كانت عندهم على سبيل الأسماء المترادفة، كأنّهم لم يكونوا يعنون بالجوهر الفاسد الذي يشتمل عليه كرة القمر، لأنّه أصغر نسبة إلى العالم السماوىّ من الحصاة الحادثة فى بدن حيوان إلى بدنه. ثمّ إذا قيل: «حيوان» لم يدخل تلك الحصاة فى جملته. و لم يمنع عدمه الحياة أن يكون الجسم الذي يحويه حيّا. و الكلّ عندهم بالقياس إلى المبدأ الأوّل كشىء واحد حيّ، له نفس عقليّة، و له عقل مفارق يفيض عليه.
و ربما قالوا: «كلّ» للسماء الاولى، فانّ كثيرا من الفلاسفة جرت عادته بأن يسمّيه جرم الكلّ، و حركته حركة الكلّ، فبحسب اختلاف هذين الاستعمالين تارة يقولون عقل الكلّ و يعنون به جملة العقول المفارقة كأنّها شىء واحد، و نفس الكلّ و يعنون به جملة الأنفس المحرّكة للسماويات كأنّها شىء واحد. و تارة يقولون عقل الكلّ و يعنون به العقل المحرك بالتشويق للكرة الأقصى التي هى أولى بالتشويق بعد الخير المحض، و نفس الكلّ و يعنون به النفس المختصّة بتحريك ذلك الجسم.
فاشرف الموجودات بعد الأوّل تعالى شأنه عقل الكلّ، ثمّ يليه نفس الكلّ، و عقل الكلّ هو بالفعل دائما لا يشوبه ما بالقوّة. و نفس الكلّ، لأنّه محرك يعرض له أن يكون بالقوّة دائما، و قد عرفت كيف ذلك. و قد يصحّ لنا بما نبيّنه بعد، أنّ طبيعة الاجرام الفاسدة و موضوعها حادثة عن جرم الكلّ، فيسمّون ذلك طبيعة الكلّ، ثمّ لكلّ جرم من الكائنات الفاسدة طبيعة تخصّه.
فيكون مراتب الصور: عقل الكلّ، و نفس الكلّ، و طبيعة الكلّ؛ و مراتب الأجسام: الجسم الأثيرىّ السماوىّ، و الجسم الاسطقسىّ الأرضىّ، و الأجسام المتكونة. و سيتضح لنا فيما يستقبل أنّ أوّل الموجودات عن الموجود الحقّ هو عقل الكلّ على ترتيبه، ثمّ نفس الكلّ، ثمّ جرم الكلّ، ثمّ طبيعة الكلّ.