المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١٨ - فصل ١٢ فى أنّه بذاته معشوق و عاشق و لذيذ و ملتذ و أنّ اللذّة هى ادراك الخير الملائم
على انّهما واحد بالحقيقة- يكون ذاته بذاته أعظم عاشق و معشوق، و أعظم لاذّ و ملتذّ، فانّ اللذّة ليست إلّا إدراك الملائم من جهة ما هو ملائم، فالحسيّة إحساس بالملائم و العقليّة تعقّل للملائم، و كذلك.
فالأوّل أفضل مدرك بأفضل إدراك لأفضل مدرك، فهو أفضل لاذّ و ملتذّ به، و يكون ذلك أمرا لا يقاس إليه شىء. و ليس عندنا لهذه المعانى أسامى غير هذه الأسامى، فمن استبشعها استعمل غيرها.
و يجب أن يعلم أنّ إدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك الحسّ للمحسوس، لانّه، أعنى العقل، يعقل و يدرك الأمر الباقى الكلّى، و يتّحد به و يصير هو هو و يدركه بكنهه لا بظاهره، و ليس كذلك الحسّ للمحسوس.
فاللذّة التي تجب لنا بأن نتعقّل ملائما هى فوق التي لنا بأن نحسّ ملائما، و لا نسبة بينهما. و لكنّه قد يفرض أن تكون القوّة الدرّاكة لا تستلذّ بما يجب أن تستلذّ به لعوارض.
كما أنّ المريض لا يستلذّ الحلو و يكرهه، لعارض، فكذلك يجب أن نعلم من حالنا ما دمنا فى البدن. فانّا لا نجد إذا حصل لقوّتنا العقليّة كما لها بالفعل من اللذّة ما يجب للشىء فى نفسه، و ذلك لعائق البدن.
و لو انفردنا عن البدن لكنّا- بمطالعتنا ذاتنا و قد صارت عالما عقليّا مطابقا للموجودات الحقيقيّة و الجمالات الحقيقيّة و الكمالات الحقيقيّة و اللذيذات الحقيقيّة، متّصلة بها اتّصال معقول بمعقول- نجد من اللذّة و البهاء ما لا نهاية له، و سنوضح هذه المعانى بعد.
و اعلم أنّ لذّة كلّ قوّة فحصول كمالها لها، فللحسّ المحسوسات الملائمة، و للغضب الانتقام، و للرجاء الظفر، و لكلّ شىء ما يخصّه، و للأنفس الناطقة مصيرها عالما عقليّا بالفعل.
فالواجب الوجود معقول، عقل او لم يعقل؛ معشوق، عشق او لم يعشق؛