المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٥٦ - فصل ٤١ فى أنّه لا يجوز أن يكون المحرّك الأقرب للسماويات عقلا مجرّدا عن المادّة صريحا
فنسبة جميع أجزاء الحركة المتساوية فى الجزئيّة إلى واحد واحد من تلك الارادة العقليّة المنتقلة واحدة، و كلّ شىء نسبته إلى مبدئه و لا نسبته واحدة فانّه بعد عن مبدئه بامكان، و لم يتميز ترجّح وجوده عن لا وجوده. و كلّ ما لم يجب عن علّة فانّه لا يكون، لأنّ نفس إمكانه يكون قبل الوجود موجودا، فيحتاج إلى تجدّد رجحان لوجوده يخرجه عن الامكان الذي كان قبل.
و كيف يصحّ أن يقال: إنّ الحركة من «ا» إلى «ب» لزمت عن إرادة عقليّة، و الحركة من «ب» إلى «ج» من إرادة اخرى عقليّة، دون أن يلزم عن كلّ واحدة من تلك الارادات غير ما لزم من الاخرى و ليس فى شىء من الارادات تعيّن، لا الالف، و لا الباء، و لا الجيم. و إلّا صارت نفسانيّة جزئيّة.
و إذا لم تتعيّن تلك الحدود فى العقل، بل كانت حدودا كليّة فقط، لم يمكن أن توجد الحركة من «ا» إلى «ب» أولى من الّتي من «ب» إلى «ج».
و مع هذا كلّه فانّ العقل لا يمكنه أن يفرض هذا الانتقال إلّا مشاركا للحسّ و التخيّل، و لا يمكننا إذا رجعنا إلى العقل الصريح أن نعقل جملة الحركة و أجزاء الانتقال فيما نعقله دائرة معا.
فاذن على الأحوال كلّها لا غنى عن قوة نفسانيّة تكون هى المبدأ القريب للحركة، و إن كنّا لا نمنع أن يكون هناك قوّة عقليّة تنتقل هذا الانتقال العقلىّ بعد استناده إلى شبه تخيّل، أمّا القوّة العقليّة مجرّدة عن جميع أصناف التغيّر فتكون حاضرة المعقول دائما.
فاذا كان الأمر على هذا، فالفلك متحرّك بالنفس، و النفس مبدأ حركته القريبة الجزئيّة، و تلك النفس متجدّدة التصوّر و الارادة؛ و هى متوهّمة، اى لها إدراك للمتغيّرات و الجزئيات، و إرادة لامور جزئيّة بأعيانها، و هى كمال جسم الفلك و صورته؛ و إن كانت لا هكذا، بل قائمة بنفسها من كلّ وجه، لكانت عقلا محضا لا يتغيّر و لا ينتقل و لا يخالطه ما بالقوّة.