المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٩٠ - فصل ١١ فى الاشارة إلى عناية الصانع و عدله و آثار حكمته على السماوات و الأرض
و لو لا أنّ للشمس مثل هذه الحركة لم يكن شتاء و لا صيف و لا فصول، فخولف بين منطقتى الحركتين و جعلت الاولى سريعة و هذه بطيئة، فالشمس تميل إلى الجنوب شتاء، ليستولى على الأرض الشماليّة البرد، و تحقن الرطوبات فى بطن الأرض. و تميل إلى الشمال بعد ذلك صيفا لتستولى الحرارة على ظاهر الأرض و تستعمل الرطوبات فى تغذية النبات و الحيوان. فاذا جفّ باطن الأرض يكون البرد جاء و الشمس مالت. فتارة يمتلى الأرض غذاء و تارة تغذو.
و لمّا كان القمر يفعل شبيها بفعل الشمس من التسخين و التحليل إذا كان متبدّرا قوىّ النور جعل مجراه فى تبدّره مخالفا لمجرى الشمس. فالشمس تكون فى الشتاء جنوبيّة و البدر شماليّا، لئلا يعدم السببان المسخّنان معا؛ و فى الصيف تكون الشمس شماليّة و البدر جنوبيّا، لئلّا يجتمع السببان المسخّنان معا.
و لمّا كانت الشمس صيفا على سمت رءوس أهل المعمورة جعل أوجها هناك، لئلّا يجتمع قرب الميل و قرب المسافة معا و لا يشتدّ التأثير. و لمّا كانت الشمس شتاء بعيدة عن سمت الرؤوس جعل حضيضها هناك، لئلّا يجتمع بعد الميل و بعد المسافة فينقطع التأثير. و لو كانت الشمس دون هذا القرب او فوق هذا البعد لما استوى تأثيرها الذي يكون عنها الآن.
و كذلك يجب أن يعتقد فى كلّ كوكب و فى كلّ شىء و يعلم أنّه بحيث ينبغى أن يكون عليه و انّها لم تكن على ما هى عليه من أجل ما بعدها، فانّها على ما هى عليه من أجل نظام الخير فى الكلّ و تابعة لعلم البارى أنّه كيف ينبغى أن يكون الخير فى الكلّ. فان سمّى هذا المعنى قصدا فلا بأس به، و لا يكون القصد الذي تلزمه المحالات المذكورة. و هذا هو الذي يسمّيه الأوائل عناية، اعنى سابق علم الله تعالى، بأنّه كيف يجوز أن يكون الوجود كلّه و كلّ جزء منه فى ذاته و فعله و انفعاله. و إن لم يكن هو لأجل فعله، و أنّه كيف ينبغى أن يكون صدور الخير منه الذي يتبع خيريّته، لا أن يقصده جوهر، تعالى اللّه الغنىّ عن كلّ شىء.