المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٢٥ - فصل ١٩ فى بيان أنّ كلّ حادث فثباته بعلّة لتكون مقدّمة معينة فى الغرض المذكور قبله
و أمّا إذا عدمت فقد عدم مقتضاها، و إلّا فسواء وجودها و عدمها فى وجود مقتضاها، فليست بعلّة.
و لنزد هذا شرحا فنقول: إنّ هذه الذات قبل الحدوث قد كانت لا ممتنعة و لا واجبة، و كانت ممكنة، فلا يخلو: إمّا أن يكون إمكانها بشرط ذاتها و لذاتها، او إمكانها بشرط أن تكون معدومة، او إمكانها هو فى حال أن تكون موجودة. و محال أن يكون إمكانها بشرط عدمها، لأنّها ممتنعة أن توجد ما دامت معدومة و يشترط لها العدم، كما انّها ما دامت موجودة فهى، بشرط أنّها موجودة، واجبة الوجود.
فبقى أحد الأمرين: فامّا أنّ الامكان أمر فى طبيعتها و فى نفس جوهرها فلا تزايلها هذه الحقيقة فى حال، و إمّا فى حال الوجود بشرط الوجود. و هذا و إن كان محالا، لانّا إذا اشترطنا الوجود وجب، فليس يضرّنا فى غرضنا. و لكنّ الحقّ أنّ ذاتها ممكنة فى نفسها، و إن كانت باشتراط عدمها ممتنعة الوجود و باشتراط وجودها واجبة.
و فرق بين أن يقال: وجود زيد الموجود واجب، و بين أن يقال: وجود زيد ما دام موجودا فانّه واجب. و قد بيّن هذا فى المنطق. و كذلك فرق بين أن يقال: إنّ ثبات الحادث واجب بذاته و بين أن نقول إنّه واجب بشرط «ما دام موجودا».
و الأوّل كاذب و الثاني صادق، بما بينّا. فاذا إذا رفع هذا الشرط كان ثبات الموجود غير واجب.
و اعلم أنّ ما أكسبه الوجود وجوبا أكسبه العدم امتناعا، و محال أن يكون حال العدم ممكنا ثم يوجد حال الوجود واجبا. بل الشىء فى نفسه ممكن و يعدم و يوجد. و اىّ الشرطين اشترط عليه دوامه صار مع شرط دوامه ضروريّا لا ممكنا، و لم يتناقض؛ فانّ الامكان باعتبار ذاته، و الوجوب او الامتناع باعتبار شرط لا حق به.
فاذا كانت الصورة كذلك فليس للممكن فى نفسه وجود واجب بغير اشتراط البتة، بل ما دام ذاته تلك الذات لم تكن واجبة الوجود بالذات، بل بالغير