المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ٤٢ - فصل ٣٠ مطلب آخر نافع فى ذلك
لم تكن، فليس بواجب الوجود من جميع جهاته، فان وضعت الحال الحادثة لا فى ذاته، بل خارجة عن ذاته، كما يضع بعضهم الارادة، فالكلام على حدوث الارادة عنها ثابت هل هو بارادة، او طبع، او لأمر آخر، أىّ أمر كان؟ و مهما وضع أمر حدث لم يكن، فامّا أن يوضع حادثا فى ذاته و إمّا غير حادث فى ذاته، بل شىء مباين لذاته، فيكون الكلام ثابتا، و إن حدث فى ذاته كان ذاته متغيّرا، و قد وضع أنّ واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته.
و أيضا إذا كان هو عند حدوث المباينات عنه كما كان قبل حدوثها، و لم يعرض البتة شىء لم يكن، و كان الأمر على ما كان، و لم يوجد عنه شىء، فليس يجب أن يوجد عنه شىء، بل الحال و الامر على ما كان، فلا بدّ من تميز لوجوب الوجود و ترجيح الوجود عنه بحادث لم يكن حين كان ترجيح العدم عنه و التعطيل عن الفعل، فليس هذا أمرا خارجا عنه، فانّا نتكلم فى حدوث الخارج عنه نفسه.
و العقل بأوّل فطرته يشهد أنّ الذات الواحدة إذا كانت من جميع جهاتها كما كانت و كان لا يوجد عنها قبل شىء، و هو الآن كذلك، فالآن أيضا لا يوجد عنها شىء. فاذا صار الآن يوجد عنها شىء فقد حدث فى الذات قصد او إرادة او طبع او قدرة و تمكّن لم يكن. و من انكر هذا فقد فارق مقتضى عقله، فانّ الممكن أن يوجد و أن لا يوجد، لا يخرج إلى الفعل و لا يترجّح له أن يوجد إلّا بسبب.
و أمّا هذه الذات فقد كانت و لا ترجّح و لا يجب عنها هذا الترجّح [و إذا كانت هذه الذات التي هى للعلّة كما كانت و لا ترجّح و لا يجب عنها هذا الترجيح و لا داعى و لا مصلحة و لا غير ذلك [١]]، و الا فلا بدّ من حادث موجب للترجيح فى هذه الذات إن كانت هى العلّة الفاعليّة. و إلّا فان كانت نسبتها إلى ذلك الممكن على ما كان قبل فلم تحدث لها نسبة اخرى، فيكون الأمر بحاله و يكون الامكان امكانا صرفا بحاله. و إذا حدثت لها نسبة فقد حدث أمر و لا بدّ من أن يحدث لذاته
[١] - الشفاء، الالهيات، ص ٣٧٧، طبع القاهرة، ١٣٨٠.