المبدا و المعاد - ابن سينا - الصفحة ١٥ - فصل ١١ فى أنّ واجب الوجود واحد من وجوه شتى، و البرهان على أنّه لا يجوز أن يكون اثنان واجبى الوجود
فالشرط أحدهما بعينه لا الآخر.
فهذه اللونيّة التي بحسب هذا الزمان و بحسب هذه المادّة إنّما يوجدها فصل السواد، و تلك الاخرى إنّما يوجدها فصل البياض. و اللونيّة المطلقة إمّا أن لا يكون و لا واحد منهما شرطا فى وجودها البتّة، او يكون اجتماعهما معا شرطا فى وجودها، فيكون كلّ واحد منهما شرطا فى وجودها، على أنّه بعض الشرط لا شرط تامّ، و الشرط التّامّ هو اجتماعهما.
و بالجملة فانّ الشىء الواحد من جهة واحدة يكون شرطه شيئا واحدا، لا أىّ شىء اتّفق؛ إنّما يكون هذا إذا كان له جهتان، و لكلّ جهة شرط بعينه، فلا يخلو عنهما، فلا يتعلّق بأحدهما بعينه، بذاته، بل باتّفاق سبب جهته. و أمّا ذاته بذاته فلا شرط له إلّا الواحد. كما أنّ اللونيّة شرطها بذاتها شىء واحد، و شرطها فى جهات وجودها امور، فكلّ وقت يكون له شرط بعينه.
و كما أنّ اللونيّة فى أنّها لونيّة ليس أحد الأمرين بعينه و غير عينه شرطا لها فى ماهيّة لو نيّتها بل فى إنيّة لو نيّتها و حصولها بالفعل، كذلك يجب أن لا يكون أحد الأمرين شرطا فى وجوب الوجود، من جهة ماهيّة كونه وجوب الوجود، بل من جهة إنيّته، فتكون انيّة وجوب الوجود غير ماهيّته و هذا خلف. فانّه يلزم أن يكون واجب الوجود يطرأ عليه وجود ليس له فى حدّ نفسه، كما يطرأ على الانسانيّة و الفرسيّة، و كما فى اللونيّة.
بل كما أنّه يجوز أن يقال: إنّ أحدهما لا بعينه شرط فى اللونيّة، لا لنفس اللونيّة، بل لاختلاف وجودات اللونيّة، كذلك لوجوب الوجود فى أنّه وجوب الوجود.
و كما أنّ أحد الأمرين بغير شرط اللونيّة يصير شرطا للّونيّة عند حدوث علّة معينة و حالة معيّنة للّونيّة، و إنّما يجوز أن يقال: إنّ أحدهما لا بعينه شرط فى اللونيّة، لا لنفس اللونيّة، بل لاختلاف وجودات اللونيّة، فكذلك إن كان لوجوب