شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٧ - (وهم و اشارة في إيراد شك على ما أبطل به القسم الأول
و أما المقدار لو انفرد و لم يكن هناك شيء يوجب شيأ الا طبيعة المقدارية و تلك الطبيعة واحدة لم تصر كلا و غير كل بحسب ذلك الفرض الا من نفسها لا من علة و لا من مقارنة قابل فلا يجب أن يستحق شيأ معينا مما تختلف فيه نفس الكلية فليس يمكن أن يقال هاهنا لحقها من غيرها شيء بحسب امكان و قوة ما أو صلوح موضوع لحوقا سابقا ثم تبع ذلك ان صار ما هو كالجزء بحالة مخالفة)
التفسير هذا الشك انما أورده على الوجه الذي أبطل به القسم الأول من الاقسام الثلاثة المذكورة و هو أن القائمة بنفسها لو اقتضت الشكل المعين لزم أن يكون شكل جزئها مساويا لشكل كلها و ذلك الشك هو أن يقال ان شكل الفلك مقتضى صورته النوعية مع أن جزأه مساو لكله فى الماهية و الا لكان الفلك مركبا و انه محال و مع ذلك فانه يلزم أن يكون جزؤه مساويا لكله فى الشكل فاذا عقل فليعقل أيضا كون الجسمية مقتضية للشكل و ان لم يجب أن يكون جزؤها مساويا لكلها فى الشكل و حاصل الجواب أن المقتضى لمثل شكل الكل قائم فى الجزء الا أنه يختلف هذا الحكم لمانع و هو أن وجود جزء الجسم البسيط متأخر عن وجود كله و جزئية ذلك الجزء مانعة له من أن يتشكل بمثل شكل الكل فاذا كل الفلك و جزؤه انما اختلفا فى الشكل بعد اشتراكهما فى المقتضى لذلك الشكل و هو الصورة الفلكية لاختلافهما فى الكلية و الجزئية و هذان الوصفان غير لازمين للماهية بل هما من العوارض المفارقة و العوارض المفارقة لا تحصل الا بسبب المادة فاذا لو لا كون الصورة الفلكية مادية و الا لما حصل هذا الاختلاف و أما الجسمية المجردة لما فرضت غير مفارقة للمادة استحال أن يكون شيء منها كلا و شيء منها جزأ لان الاختلاف فى هذين الوصفين لا يحصل الا بسبب المادة على ما بينا و اذا لم يحصل الاختلاف فى هذين الوصفين استحال اختلافهما فى الشكل فهذا حاصل الجواب و فيه بحث و لكنا نذكره بعد تفسير المتن أما قوله فى الجواب ان الشكل حصل للفلك عن طبيعة قوة أوجبت لهيولاه تلك الجرمية و لم يكن ذلك لها نفس عن نفسها أو عن جرميتها فمعناه أن الشكل المعين انما حصل للفلك لاجل القوة السارية فى هيولى ذلك الفلك و لم يكن ذلك الشكل لتلك الهيولى لاجل تلك الهيولى أو لاجل الجرمية الموجودة فيها و أما تفسير لفظى القوة و الطبيعة فسيأتى فى مكان آخر أولى به من هذا المكان و أما قوله فلما وجب لها ذلك وجب ايجاب ذلك السبب أن لا يكون لما يفرض بعد ذلك جزأ ما للكل لكونه مفروضا بعد حصول صورة الكل فمعناه ان ذلك الشكل لما حصل عن القوة السارية فى تلك الهيولى استحال أن يحصل للجزء مثل ما حصل للكل من الشكل لاستحالة أن يتشكل الجزء بشكل الكل ما دام ذلك الجزء جزأ لذلك الكل و أما قوله فهذا له عن عارض و مانع و بسبب مقارنة ما تقبل تلك الصورة و يحملها و يجرى ما معناه ما ذكرنا من أن المقتضى لان يحصل للجزء مثل شكل الكل قائم الا أنه لم يوجد ذلك العارض الذي عرض له و هو كونه جزأ لذلك الكل و صار مانعا عن أن يحصل له مثل شكل الكل و هذا العارض أعنى كونه جزأ لذلك الكل بسبب المادة المقارنة لتلك الصورة الحاملة لها المتجزئة بها و قد علمت أن الاختلاف فى الجزئية و الكلية لا يكون الا لاجل المادة و أما قوله و ان المقدار لو انفرد لم يكن شيء يوجب شيأ الا طبيعة المقدار و تلك الطبيعة و هى واحدة لم تصر كلا و غير كل بحسب ذلك الفرض لا من نفسه و لا من علة و لا من مقارنة قابل فلا يجب أن يستحق شيأ معينا مما تختلف فيه حتى تغير الكلية