شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٥ - (اشارة في إثبات لزوم الشكل للصورة بتوسط التناهي
الجزء مساويا للكل فى الشكل و لقائل أن يقول الجسم البسيط يكون فى نفسه سببا واحدا و لا يكون له شيء من الاجزاء الا لاحد أسباب ثلاثة أحدها الانفصال و ثانيها اختلاف الاعراض و ثالثها الوهم و هذا هو مذهب الشيخ و اذا كان كذلك فقوله هاهنا الجسمية لو كانت علة للشكل لوجب أن يكون شكل الجزء مساويا لشكل الكل اما أن يكون المراد منه الزام ذلك فى الجسم الذي لم يعرض له سبب من أسباب الانقسام أو فى الجسم الذي عرض له ذلك فان كان الأول فالالزام غير صحيح لان الجسم الذي لم يعرض له سبب من سبب الانقسام لم يكن فيه جزء أصلا و اذا لم يكن له جزء كيف يمكن أن يقال انه يلزم أن يكون شكل الجزء مساويا لشكل الكل و ان كان الثاني فلا يخلو اما أن يكون قد انفصل ذلك الجزء عن غيره أ و لم ينفصل فانا نلتزم أن يكون شكل الجزء مساويا لشكل الكل و كيف لا نقول ذلك و الحق أن الشكل الطبيعى للقطرة من البحر مثل الشكل الطبيعى لكل البحر و ان لم ينفصل بل يكون الانقسام اما باختلاف الاعراض أو بالوهم فنقول لا شك ان وجود الجزء متأخر عن وجود الكل فان الجسم يوجد أولا موصوفا بشكل خاص ثم انه يعرض له اختلاف أعراض أو توهم ثم يحصل الجزء بسبب ذلك فاذا حصول جزء الجسم متأخر عن حصول ذلك الشكل للكل و كون الجزء جزأ لذلك الكل و غير منفصل عنه مانع من أن يتشكل الجزء بمثل شكل الكل فانه من المستحيل أن يتشكل الجزء بشكل الكل لذلك الجزء حال كونه جزأ له و اذا كانت الجزئية مانعة من ذلك لم يلزم من عدم حصول ذلك الشكل لذلك الجزء من غير أن تكون طبيعة ذلك الجزء مقتضية لذلك الشكل لان الحكم قد لا يوجد عند قيام المقتضى لحصول المانع و الذي تقرر ذلك من مذهبه أن لكل جسم بسيط صورة نوعية مقتضية لماله من الشكل مثلا للماء صورة نوعية هى المقتضية لماله من الشكل ثم ان جزء الماء مساو لكله فى تلك الصورة و لم يجب أن يساويه فى ذلك الشكل فعلمنا انه لا يلزم من كون الجزء مساويا للكل فى الامر المقتضى للشكل أن يساويه فى الشكل فان قيل اذا كانت طبيعة الجزء مساوية لطبيعة الكل فى اقتضاء الشكل و كان المانع من ذلك هو اتصاله بذلك الكل و كان ذلك الاتصال فى الاجسام العنصرية قابلا للانفصال و اذا كانت طبيعة الجزء تقتضى مثل شكل الكل و كان المانع من ذلك هو الاتصال الممكن الزوال وجب أن يزول ذلك الاتصال حتى يتشكل الجزء بمثل شكل الكل فلما لم يكن كذلك علمنا أن الجسمية غير مقتضية للشكل فنقول اما أولا فهذا يلزمكم أيضا لما جعلتم المقتضى للشكل هو الصورة النوعية التي يتساوى الجزء و الكل فيها على ما بينا و أما ثانيا فلا ناقد بينا فيما مضى ان ماهية الجسم و ان كان لا يتأتى عن الانفصال و لكن تشخص كل جسمية يأبى عن ذلك فتبين سقوط الالزام فلئن حاول محاول تقرير هذا الالزام من وجه آخر فقال الجسم اذا انفصل فانه لا يحصل لجزئه مقدار كله و لو كانت الجسمية مقتضية للمقدار لوجب أن يكون مقدار الجزء مثل مقدار الكل لان المقتضى قائم و المانع و هو الاتصال بالكل غير حاصل فلما لم يكن كذلك علمنا أن الجسمية غير مقتضية للمقدار و اذا لم تكن مقتضية للمقدار وجب أن لا تكون مقتضية للشكل الذي لا يحصل الا عند حصول المقدار فنقول هذا أيضا ليس بقوى لان من الجائز أن تكون الجسمية علة لمقدار معين لانه لا يحصل ذلك المقدار الكبير من الاجسام لاجل مانع منع ذلك و أما كونه جزأ للكل فهو مانع معين و لا يلزم من زوال مانع معين زوال كل الموانع أ لا ترى أن القطعة من الارض اذا انفصلت عن كلها فانها لا تصير كرة مع أن المقتضى لذلك و هو الطبيعة الارضية قائمة و المانع المذكور و هو كونه جزأ للكل زائل فعلمنا أن ذلك لاجل حصول مانع آخر غير هذا المانع فجاز أن يكون هاهنا كذلك ثم ان ساعدنا على أن الجسمية غير مقتضية للمقدار فلم لا يجوز أن لا تكون مقتضية للشكل الذي لا يحصل الا عند حصول المقدار فانه من الجائز أن يكون اقتضاء العلة للمعلول موقوفا على شرط منفصل مثل اقتضاء الحرارة للين الشمع و صلابة الملح متوقف على الطبيعة التي للشمع و الملح و ان لم تكن الحرارة مؤثرة فى تينك الطبيعتين فكذلك هاهنا فهذا ما عندى فى
هذا الموضع و أما قوله و لو لزم ذلك بسبب فاعل مؤثر و هو منفرد بنفسه لكان المقدار الجسمانى قابلا فى نفسه من غير هيولاه للفصل و الوصل فكان له فى نفسه قوة الانفصال و قد بانت استحالة هذا فبقى انه بمشاركة من الحامل فمعناه أن لزوم الشكل للجسمية القائمة بنفسها لو كانت بسبب الفاعل لكانت الجسمية وحدها بلا شركة من الهيولى قابلة للوصل و الفصل لكنا بينا أن ذلك محال و لقائل أن يقول لم لا يلزم من كون الجسمية القائمة بنفسها قابلة للشكل أن تكون قابلة للوصل و الفصل فان قبول الاشكال مغاير لقبول الفصل و الوصل أ لا ترى أنك تأخذ الشمعة فتشكلها باشكال مختلفة مع انه لا يرد عليها لا الاتصال و لا الانفصال فان تلك الجسمية باقية لعينها كما كانت و اذا ثبت أن قبول الاشكال قد ينفك عن قبول الانفصال و الاتصال لم يلزم من الحكم كون الجسمية القائمة بنفسها قابلة لاشكال الحكم بكونها قابلة للفصل و الوصل الا لحجة و برهان فان قيل الدليل عليه أن كل ما كان قابلا للاشكال فانه لا بد و ان يتميز طرف منه عن الطرف الآخر منه و كل ما كان كذلك فانه يكون قابلا للقسمة الوهمية لا محالة و كل ما كان قابلا للقسمة الوهمية كان قابلا للقسمة