بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٩٤
لما يثبت على الارض كما لايثبت السرير وما أشبهه فصار ينقل اليمنى من مقاديمه مع اليسرى من مآخيره ، وينقل الاخريين ايضا من خلاف فيثبت على الارض ولا يسقط إذا مشى.
أما ترى الحمار كيف يذل للطحن والحمولة وهو يرى الفرس مودعا منعما ، والبعير لايطيقه عدة رجال لواستعصى ، كيف كان ينقاد للصبي؟ والثور الشديد كيف كان يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ويحرث به؟ والفرس الكريم يركب السيوف والاسنة بالمواتاة لفارسه ، والقطيع من الغنم يرعاه رجل واحد ولو تفرقت الغنم فأخذ كل واحد منها في ناحية لم يلحقها ، وكذلك جميع الاصناف مسخرة للانسان فبم كانت كذلك؟ إلا بأنها عدمت العقل والروية فإنها لو كانت تعقل وتروى في الامور[١] كانت خليقة أن تلتوي على الانسان في كثير من مآربه ، حتى يمتنع الجمل على قائده ، والثور على صاحبه ، وتتفرق الغنم عن راعيها ، وأشباه هذا من الامور ، و كذلك هذه السباع لو كانت ذات عقل وروية فتوازرت على الناس كانت خليقة أن تجتاحهم[٢] فمن كان يقوم للاسد والذئاب والنمورة والدببة لو تعاونت وتظاهرت على الناس؟ أفلا ترى كيف حجر ذلك عليها وصارت مكان ما كان يخاف من إقدامها ونكايتها تهاب مساكن الناس وتحجم عنها ثم لا تظهر ولا تنشر لطلب قوتها إلا بالليل؟ فهي مع صولتها كالخائف للانس بل مقموعة ممنوعة منهم ، ولولا ذلك لساورتهم في مساكنهم وضيعت عليهم[٣] ثم جعل في الكلب من بين هذه السباع عطف على مالكه ومحاماة عنه و حفاظ له فهو ينتقل على الحيطان والسطوح في ظلمة الليل لحراسة منزل صاحبه ، وذب الدغار عنه[٤] ويبلغ من محبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته وماله ، ويألفه غاية الالف حتى يصير معه على الجوع والجفوة فلم طبع الكلب على هذا
[١]أى نظر في الامور وتفكر فيها.
[٢]أى تستأصلهم وتهلكهم.
[٣]وفي نسخة : وضيقت عليهم.
[٤]وفي نسخة : وذب الذعار عنه.