بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٠٠
ماتت إلا الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع فإذا أحسوا بالموت كمنوا[١] في مواضع خفية فيموتون فيها ، ولولا ذلك لامتلات الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء ويحدث الامراض والوباء ، فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس وعملوه بالتمثيل الاول الذي مثل لهم كيف جعل طبعا وادكارا في البهائم وغيرها ليسلم الناس من معرة ما يحدث عليهم من الامراض والفساد.
توضيح : السرب ـ بالكسر ـ والسربة : القطيع من الظباء والقطا والخيل ونحوها والجمع أسراب. والمهاة : البقرة الوحشية والجمع مها. والوعل ـ بالفتح وكتتف ـ : تيس الجبل والجمع : وعال ووعول. والايل بضم بالهمزة وكسره وفتح الياء المشددة وكسيد : الذكر من الاوعال ، ويقال : هو الذي يسمى بالفارسية : كوزن والجمع أيائيل. والقانص : الصائد. وخلص إليه : وصل. والمراد بالتمثيل ماذكره الله تعالى في قصة قابيل. والمعرة : الاذي.
فكر يا مفضل في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة لطفا من الله عزوجل لهم ، لئلا يخلو من نعمه عزوجل أحد من خلقه لا بعقل وروية فإن الايل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع من شرب الماء خوفا من أن يدب السم في جسمه فيقتله ، ويقف على الغدير وهو مجهود عطشا ، فيعج عجيجا عاليا ولا يشرب منه ولو شرب لمات من ساعته ، فانظر إلى ما جعل من طباع هذه البهيمة بمن تحمل الظماء الغالب خوفا من المضرة في الشرب ، وذلك مما لا يكاد الانسان العاقل المميز يضبطه من نفسه ، والثعلب إذا اعوزه الطعم تماوت ونفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتا فإذا وقعت عله لتنهشه وثب عليها فأخذها ، فمن أعان الثعلب العديم النطق والروية بهذه الحيلة إلا من توكل بتوجيه الرزق له من هذا وشبهه؟ فإنه لما كان الثعلب يضعف عن كثير مما يقوى على السباع من مساورة الصيد اعين بالدهاء[٢] والفطنة والاحتيال لمعاشه ، والدلفين يلتمس صيد الطير فيكون حيلته في ذلك أن يأخد السمك فيقتله و
[١]أى تواروا واختفوا.
[٢]الدهاء جورة الرأى والحذق ، المكر والاحتيال.