بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٧٤
أشد إنكار. قلت : فمن خلق القردة والخنازير إن كان الناس والنجوم خلقن أنفسهن؟ فلابد من أن تقول : إنهن من خلق الناس ، أو خلقن أنفسهن ، أفتقول : إنها من خلق الناس؟ قال : لا. قلت : فلابد من أن يكون لها خالق أو هي خلقت أنفسها ، فإن قلت : إنها من خلق الناس أقررت أن لها خالقا ، فإن قلت : لابد أن يكون لها خالق فقد صدقت وما أعرفنا به ، ولئن قلت : إنهن خلقن أنفسهن فقد أعطيتني فوق ما طلبت منك من الاقرار بصانع. ثم قلت : فأخبرني بعضهن قبل بعض خلقن أنفسهن أم كان ذلك في يوم واحد؟ فإن قلت : بعضهن قبل بعض فأخبرني السماوات وما فيهن والنجوم قبل الارض والانس والذر خلقن أم بعد ذلك؟ فإن قلت إن الارض قبل أفلا ترى قولك : إن الاشياء لم تزل قد بطل حيث كانت السماء بعد الارض؟.
قال : بلى ولكن أقول : معا جميعا خلقن. قلت : أفلا ترى أنك قد أقررت أنها لم تكن شيئا قبل أن خلقن ، وقد أذهبت حجتك في الازلية؟ قال : إني لعلى حد وقوف ، ما أدري ما اجيبك فيه لاني أعلم أن الصانع إنما سمي صانعا لصناعته ، والصناعة غير الصانع ، والصانع غير الصناعة لانه يقال للرجل : الباني لصناعته البناء ، والبناء غير الباني والباني غير البناء ، وكذلك الحارث غير الحرث والحرث غير الحارث. قلت : فأخبرني عن قولك : إن الناس خلقوا أنفسهم فبكمالهم خلقوها أرواحهم وأجسادهم وصورهم وأنفاسهم أم خلق بعض ذلك غيرهم؟ قال : بكمالهم لم يخلق ذلك ولا شيئا منهم غيرهم.
قلت : فأخبرني الحياة أحب إليهم أم الموت؟ قال : أو تشك أنه لا شئ أحب إليهم من الحياة ، ولا أبغض إليهم من الموت؟ قلت فأخبرني من خلق الموت الذي يخرج أنفسهم التي زعمت أنهم خلقوها؟ فإنك لا تنكر أن الموت غير الحياة ، وأنه هو الذي يذهب بالحياة. فإن قلت : إن الذي خلق الموت غيرهم ، فإن الذي خلق الموت هو الذي خلق الحياة ، ولئن قلت : هم الذين خلقوا الموت لانفسهم إن هذا لمحال من القول وكيف خلقوا لانفسهم ما يكرهون إن كانوا كما زعمت خلقوا أنفسهم؟ هذا ما يستنكر من ضلالك أن تزعم أن الناس قدروا على خلق أنفسهم بكمالهم وأن الحياة أحب إليهم من الموت وخلقوا ما يكرهون لانفسهم.