بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٢٦
احتاج إلى ما يعضه ويولمه ليرعوي ويقصر عن مساويه ويثبته على ما فيه حظه ورشده ، ولو أن ملكا من الملوك قسم في أهل مملكته قناطير من ذهب وفضة ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت؟ فأين هذا من مطرة رواء؟[١] إذيعمر به البلاد ويزيد في الغلات أكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الارض كلها.
أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها وأعظم النعمة على الناس فيها وهم عنها ساهون. وربما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها فيذمر[٢] ويسخط إيثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه جهلا بمحمود العاقبة وقلة معرفة عظيم الغناء والمنفعة فيها. تأمل نزوله على الارض والتدبير في ذلك ، فإنه جعل يندر عليها من علو ليتفشي ما غلظ وارتفع منها فيرويه ، ولو كان إنما يأتيها من بعض نواحيها لما علا على المواضع المشرفة منها و يقل ما يزرع في الارض.
ألا ترى أن الذي يزرع سيحا[٣] أقل من ذلك فالامطار هي التي تطبق الارض ، وربما تزرع هذه البراري الواسعة وسفوح الجبال وذراها[٤] فتغل الغلة الكثيرة ، [٥] وبها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤونة سياق الماء من موضع إلى موضع ، وما يجري في ذلك بينهم من التشاجر والتظالم حتى يستأثر بالماء ذوو العزة والقوة ويحرمه الضعفاء.
ثم إنه حين قدر أن ينحدر على الارض انحدارا جعل ذك قطرا شبيها بالرش ليغور في قطر الارض فيرويها ، ولو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الارض فلا يغور فيها ثم كان يحطم الزرع القائمة إذا اندفق عليها فصار ينزل نزولا رقيقا[٦] فينبت الحب المزروع ، ويحيي الارض والزرع القائم ، وفي نزوله أيضا مصاح اخرى فإنه يلين الابدان ، ويجلو كدر الهواء فيرتفع الوباء الحادث من ذك ، ويغسل ما يسقط على
[١]على زنة حياء الماء الكثير المشبع.
[٢]في بعض النسخ يتذمر ويسخط إيثارا لخسيس قدره على العظيم نفعه جميلا محمود العاقبة وقلة معرفته لعظيم الغناء والمنفعة فيها.
[٣]السيح : الماء الجارى على وجه الارض.
[٤]سفح الجيل : أصله وأسفله. عرضه ومضطجعه الذى ينصب الماء. وذرو الجبل : أعلاه.
[٥]وفي نسخة : فتقل الغلة الكثيرة.
[٦]وفي نسخة : فصار ينزل نزولا رقيقا.