بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٦٤
المسخر بين السماء والارض بمنزلة الدخان لا جسد له يلمس بشئ من الارض و الجبال ، يتخلل الشجرة فلا يحرك منها شيئا ، ولا يهصر منها غصنا ، ولا يعلق منها بشي يعترض الركبان فيحول بعضهم من بعض من ظلمته وكثافته ، ويحتمل من ثقل الماء و كثرته ما لا يقدر على صفته ، مع ما فيه من الصواعق الصادعة ، والبروق اللامعة ، والرعد والثلج والبرد والجليد ما لا تبلغ الاوهام صفته ولا تهتدي القلوب إلى كنه عجائبه ، فيخرج مستقلا في الهواء يجتمع بعد تفرقه ويلتحم بعد تزايله ، تفرقه الرياح من الجهات كلها إلى حيث تسوقه بإذن الله ربها ، يسفل مرة ويعلو اخرى ، متمسك بما فيه من الماء الكثير الذي إذا أزجاه صارت منه البحور ، يمر على الاراضي الكثيرة والبلدان المتنائية لا تنقص منه نقطة ، حتى ينتهي إلى ما لا يحصى من الفراسخ فيرسل ما فيه قطرة بعد قطرة ، وسيلا بعد سيل ، متتابع على رسله حتى ينقع البرك وتمتلي الفجاج ، و تعتلي الاودية بالسيول كأمثال الجبال غاصة بسيولها ، مصمخة الآذان لدويها و هديرها فتحى بها الارض الميتة فتصبح مخضرة بعد أن كانت مغبرة ، ومعشبة بعد أن كانت مجدبة ، قد كسيت ألوانا من نبات عشب ناضرة زاهرة مزينة معاشا للناس و الانعام ، فإذا أفرغ الغمام ماء أقلع وتفرق وذهب حيث لا يعاين ولا يدرى أين توارى ، فادت العين ذلك إلى القلب فعرف القلب أن ذلك السحاب لو كان بغير مدبر وكان ما وصفت من تلقاء نفسه ما احتمل نصف ذلك من الثقل من الماء ، وإن كان هو الذي يرسله لما احتمله ألفي فرسخ أو أكثر ، ولارسله فيما هو أقرب من ذلك ، ولما أرسله قطرة بعد قطرة ، بل كان يرسله إرسالا فكان يهدم البنيان ويفسد النبات ، ولما جاز إلى بلد و
[١]وفى نسخة : ينفجر بعد تمسكه.
[٢]وفى نسخة : تصفقه الرياح.
[٣]ازجاه أى دفعه برفق.
[٤]وفى نسخة : لا تقطر منه قطرة.
[٥]بكسر الباء وفتح الراء جمع بركة : مستنقع الماء الحوض.
[٦]وفى نسخة : ومصمة الاذان لدويها وهديرها.