بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٦٢
هوالذي يهيج الصبي إلى طلب الرضاع ، والطير اللاقط على لقط الحب ، والسباع على ابتلاع اللحم؟.
قال : لست أجد القلب يعلم شيئا إلا بالحواس قلت : أما إذ أبيت إلا النزوع إلى الحواس فإنا لنقبل نزعك إليها بعد رفضك لها ، ونجيبك في الحواس حتى يتقرر عندك أنها لا تعرف من سائر الاشياء إلا الظاهر مما هو دون الرب الاعلى سبحانه و تعالى ، فأما ما يخفى ولا يظهر فليست تعرفه ، وذلك أن خالق الحواس جعل لها قلبا احتج به على العباد ، وجعل للحواس الدلالات على الظاهر الذي يستدل بها على الخالق سبحانه ، فنظرت العين إلى خلق متصل بعضه ببعض فدلت القلب على ماعاينت ، وتفكر القلب حين دلته العين على ما عاينت من ملكوت السماء وارتفاعها في الهواء بغير عمد يرى ، ولا دعائم تمسكها لا تؤخر مرة فتنكشط ، ولا تقدم اخرى فتزول ولا تهبط مرة فتدنو ، ولا ترتفع اخرى فتنأى ، لا تتغير لطول الامد ولا تخلق لا ختلاف الليالي والايام ، ولا تتداعى منها ناحية ولا ينهار منها طرف ، مع ما عاينت من النجوم الجارية السبعة المختلفة بمسيره لدوران الفلك ، وتنقلها في البروج يوما بعد يوم ، وشهرا بعد شهر وسنة بعد سنة ، منها السريع ، ومنها البطيئ ، ومنها المعتدل السير ، ثم رجوعها واستقامتها ، وأخذها عرضا وطولا ، وخنوسها عند الشمس وهي مشرقة وظهورها إذا غربت ، وجري الشمس والقمر في البروج دائبين لا يتغيران في أزمنتهما وأوقاتهما يعرف ذلك من يعرف بحساب موضوع وأمر معلوم بحكمة يعرف ذووا الالباب أنها ليست من حكمة الانس ، ولا تفتيش الاوهام ، ولا تقليب التفكر ، فعرف القلب حين دلته العين على ما عاينت أن لذلك الخلق والتدبير والامر العجيب صانعا يمسك السماء المنطبقة أن تهوى إلى الارض وأن الذي جعل الشمس والنجوم فيها خالق السماء ، ثم نظرت العين إلى ما استقلها من الارض فدلت القلب على ما عاينت فعرف القلب بعقله أن ممسك الارض الممتدة أن تزول أو تهوى في الهواء ـ وهو يرى الريشة يرمى بها فتسقط مكانها وهي في الخفة على
[١]أى فتبعد. وفى نسخة : فتنأى فلا ترى.
[٢]أى لا تبلى ولا ترث.
[٣]وفى نسخة : أن ممسك الارض الممهدة.