بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٠٨
حتى أن زبله يدخل في بعض الاعمال ، [١] ومن أعظم الارب فيه خلقته العجيبة الدالة على قدرة الخالق جل شأنه ، وتصرفها فيما شاء كيف شاء لضرب من المصلحة. فأما الطائر الصغير الذي يقال له : «ابن تمرة» فقد عشش في بعض الاوقات في بعض الشجر فنظر إلى حية عظيمة قد أقبلت نحو عشه فاغرة فاها لتبلعه فبينما هو يتقلب ويضطرب في طلب حيلة منها إذا وجد حسكة فحملها فألقاها في فم الحية ، فلم تزل الحية تلتوي وتتقلب حتى ماتت. أفرأيت لو لم اخبرك بذلك كان يخطر ببالك أو ببال غيرك أنه يكون من حسكة مثل هذه المنفعة العظيمة أو يكون من طائر صغير أو كبير مثل هذه الحيلة؟ اعتبر بهذا وكثير من الاشياء تكون فيها منافع لا تعرف إلا بحادث يحدث به أو خبر يسمع به.
انظر إلى النحل واحتشاده في صنعة العسل ، وتهيئة البيوت المسدسة وما ترى في ذلك اجتماعه من دقائق الفطنة[٢] فانك إذا تأملت العمل رأيته عجيبا لطيفا ، وإذا رأيت المعمول وجدته عظيما شريفا موقعه من الناس ، وإذا رجعت إلى الفاعل ألفيته غبيا جاهلا بنفسه فضلا عما سوى ذلك ، ففي هذا أوضح الدلالة على أن الصواب والحكمة في هذه الصنعة ليس للنحل بل هي للذي طبعه عليها وسخره فيها لمصلحة الناس. انظر إلى هذا الجراد ما أضعفه وأقواه فإنك إذا تأملت خلقه رأيته كأضعف الاشياء ، وإن دلفت عساكره نحو بلد من البلدان لم يستطع أحد أن يحميه منه. إلا ترى أن ملكا من ملوك الارض لو جمع خيله ورجله ليحمي بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك؟ أفليس من الدلائل على قدرة الخالق أن يبعث أضعف خلقه إلى أقوى خلقه فلا يستطيع دفعه؟ انظر إليه كيف ينساب على وجه الارض مثل السيل فيغشي السهل و الجبل والدو والحضر ، حتى يستر نور الشمس بكثرته فلو كان هذا مما يصنع بالايدي
[١]قد ذكر الدميرى لاجزائه خواصا كثيرة : منها ان طبخ رأسه في إناء نحاس أو حديد بدهن زنبق ويغمر فيه مرارا حتى يتهرى ويصفى ذلك الدهن عنه ، ويدهن به صاحب النقرس والفالج القديم والارتعاش ، والتورم في الجسد فانه ينفعه ذلك ويبرئه ، ومنها ان زبله اذا طلى به على القوابى قلعها. وغير ذلك من الفوائد.
[٢]وفي نسخة وما ترى في اجتماعه من دقائق الفطنة.