بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٠٤
والطيران فجعل كل شئ من خلقه مشاكلا للامر الذي قدر أن يكون عليه ثم صار الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه اسبوعا ، وبعضه اسبوعين ، وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة ثم يقبل عليه فيزقه الريح لتتسع حوصلته للغذاء ثم يربيه ويغذيه بما يعيش به فمن كلفه أن يلقط الطعم ويسخرجه بعد ان يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه؟ ولاي معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذي روية ولا تفكر؟ ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العز والرفد[١] وبقاء الذكر؟ فهذا هو فعل[٢] يشهد بأنه معطوف على فراخه ، لعله لايعرفها ولا يفكر فيها وهي دوام النسل وبقاؤه لطفا من الله تعالى بذكره.
انظر إلى الدجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ وليس لها بيض مجتمع ولاوكر[٣] موطى بل تنبعت وتنتفخ وتقوقى وتمتنع من الطعم حتى يجمع لها البيض فتحضنه وتفرخ فلم كان ذلك منها إلا لاقامة النسل؟ ومن أخذها بإقامة النسل ولا تروية ولا تفكر لولا أنها مجبولة على ذلك؟.
اعتبر بخلق البيضة وما فيها من المح الاصفر الخاثر ، والماء الابيض الرقيق ، فبعضه لينتشر منه الفرخ ، وبعضه ليغذي به ، [٤] إلى أن تنقاب عنه البضة ، وما في ذلك من الدبير فإنه لو كان نشؤ الفرخ في تلك القشرة المستحصنة التى لامساغ لشئ إليها لجعل معه في جوفها من الغذاء ما يكتفي به إلى وقت خروجه منها ، كمن يحبس في حبس حصين لايوصل إلى من فيه فيجعل معه من القوت ما يكتفي به إلى وقت خروجه منه. فكر في حوصلة الطائر وما قدر له ، فإن مسلك الطعم إلى القانصة[٥] ضيق لا ينفذ فيه الطعام إلا قليلا قليلا ، فلو كان الطائر لا يلقط حبة ثانية حتى تصل الاولى إلى القانصة لطال عليه ، ومتى كان يستوفي طعمه؟ فإنما يختلسه اختلاسا لشدة الحذر ،
[١]الرفد : النصيب ، المعاونة.
[٢]وفى نسخة : فهذا من فعله يشهد بأنه معطوف على فراخه.
[٣]الوكر ـ يفتح الواو وسكون الكاف ـ : عش الطائر.
[٤]وفي نسخة : ليغتذى به.
[٥]القانصة للطير : كالمعدة للانسان.