بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٠٢
فمن أين هذا التقدير والصواب في خلق الذرة إلا من التدبير القائم في صغير الخلق و كبيره؟.
انظر إلى النمل واحتشادها في جمع القوت وإعداده ، فإنك ترى الجماعة منها إذانقلت الحب إلى زبيتها بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام أو غيره ، بل للنمل في ذلك من الجد والتشمير ماليس للناس مثله ، أما تريهم يتعاونون على النقل كما يتعاون الناس على العمل؟ ثم يعمدون إلى الحب فيقطعو نه قطعا لكيلا ينبت فيفسد عليهم[١] فإن أصابه ندي أخرجوه فنشروه حتى يجف ، ثم لا يتخذ النمل الزبية إلا في نشر من الارض كي لا يفيض السيل فيغرقها[٢] فكل هذا منه بلا عقل ولا روية بل خقلة خلق عليها لمصلحة لطفا من الله عزوجل.
انظر إلى هذا الذي يقال له : الليث ، وتسميه العالمة أسد الذباب ، وما اعطي من الحيلة والرفق في معاشه ، فإنك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه تركه كليا حتى كأنه موات لاحراك به ، فإذا رأي الذباب قد اطمأن وغفل عنه دب دبيبا دقيقا[٣] حتى يكون منه بحيث يناله وثبه ثم يثب عليه فيأخذه فإذا أخذه اشتمل عليه بجسمه كله مخافة أن ينجو منه فلا يزال قابضا عليه حتى يحس بأنه قد ضعف واسترخى ثم يقبل عليه فيفترسه ويحيى بذلك منه ، فاما العنكبوت فإن نيسج ذلك النسج فيتخذه شركا ومصيدة للذباب ثم يكمن في جوفه فإذا نشب فيه الذباب[٤] أجال عليه يلدغه ساعة بعد ساعه فيعيش بذلك منه فكذلك يحكى صيد الكلاب والفهود ، وهكذايحكى صيدالاشراك والحبائل.
[١]ويقطع الكسفرة ويقسمها أرباعا ، لما الهم من أن كل نصف منها ينبت.
[٢]قال الدميرى : يحفر قريته بقوائمه وهى ست ، فاذا حفرها جعل فيها تعاريج ، لئلا يجرى إليها ماء المطر ، وربما اتخذ بقرية فوق قرية بسبب ذلك ، وانما يفعل ذلك خوفا على مايدخره من اليلل ، ومن عجائبه اتخاذ القرية تحت الارض ، وفيها منازل ودهاليز وغرف وطبقات معلقة ، يملؤها حبوبا وذخائر للشتاء.
[٣]وفى نسخة : دب دبيبا رقيقا.
[٤]أى وقع فيه.