تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٤٨٢ - * غزوة الخندق
الخندق كان فى زمان عسرة و عام مجاعة حتى انّ الاصحاب كانوا يشدّون فى بطونهم الحجر من الجهد و الضعف الذي بهم من الجوع و لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا* و عن أبى طليحة شكونا الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الجوع و رفعنا عن بطوننا عن حجر حجر فرفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن بطنه عن حجرين ذكره الترمذى فى الشمائل و لهذا أشار صاحب البردة بقوله
و شدّ من سغب أحشاءه و طوى* * * تحت الحجارة كشحا مترف الادم
قيل الحجر يدفع الجوع* و عن أنس خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الى الخندق فاذا المهاجرون و الانصار يحفرون الخندق فى غداة باردة و لم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب و الجوع قال اللهمّ لا خير الاخير الآخرة فبارك فى الانصار و المهاجرة* و فى رواية فاكرم الانصار و المهاجرة فقالوا مجيبين له
نحن الذين بايعوا محمدا* * * على الجهاد ما بقينا أبدا
* و فى رواية ما حيينا أبدا فحفروا الخندق و فرغوا منه بعد ستة أيام* و فى المواهب اللدنية قد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا فى عمل الخندق قريبا من عشرين يوما و عند الواقدى أربعا و عشرين* و فى الروضة للنووى خمسة عشر يوما* و فى الهدى النبوى لابن القيم أقاموا شهرا* روى أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان عين للمهاجرين أن يحفروا من موضع كذا الى موضع كذا و عين للانصار أن يحفروا من موضع كذا الى موضع كذا و تحاجّ الفريقان فى سلمان الفارسى و كل فريق قالوا سلمان منا و نحن أحق به و كان سلمان رجلا قويا يحسن حفر الخندق فلما سمع النبيّ مقالة الفريقين قال سلمان منا أهل البيت* روى انه كان يعمل فى حفر الخندق عمل الرجلين* و فى رواية كان يحفر كل يوم خمسة أذرع من الخندق و عمقها أيضا خمسة أذرع فعانه قيس بن صعصعة فصرع و تعطل من العمل فأخبر بذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأمر أن يتوضأ قيس لسلمان و يجمع وضوءه فى ظرف و يغتسل سلمان بتلك الغسالة و يكفأ الاناء خلف ظهره ففعل فنشط فى الحال كما ينشط البعير من العقال* و روى انه كان عمرو بن عوف و سلمان و حذيفة و النعمان بن مقرن المزنى و ستة من الانصار فى أربعين ذراعا فحفروا حتى اذا كانوا تحت ذباب عرضت لهم* ذباب كغراب و كتاب لغتان* قال البكرى ذباب جبل بجبانة المدينة و هو الجبل الذي عليه مسجد الراية و اسمه ذو ناب أيضا* و فى رواية أخرج اللّه من بطن الخندق صخرة بيضاء* و فى المواهب اللدنية كدية شديدة و هى بضم الكاف و تقديم الدال المهملة على المثناة التحتية القطعة الصلبة* و فى رواية مرو عظيمة كسرت حديدهم فأخبروا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك و هو ضارب عليه قبة تركية فهبط مع سلمان الخندق و بطنه معصوب بحجر و لبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا كما مرّ و التسعة على شفير الخندق فأخذ المعول من سلمان فضربها به ضربة صدعها و برق منها برق أضاء منها ما بين لابتيها يعنى المدينة حتى لكانّ مصباحا فى بيت مظلم فكبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تكبيرة فتح و كبر المسلمون ثم ضربها الثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها فكبر رسول اللّه تكبيرة فتح و كبر المسلمون ثم ضربها الثالثة فكسرها و برق منها برق أضاء ما بين لابتيها فكبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تكبيرة فتح و كبر المسلمون فأخذ بيد سلمان و رقى قال سلمان بأبى أنت و أمى يا رسول اللّه لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط فالتفت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الى القوم فقال أ رأيتم ما يقول سلمان قالوا نعم يا رسول اللّه قال ضربت ضربتى الأولى فبرق الذي رأيتم أضاءت لى منها قصور الحيرة و مدائن كسرى كأنها أتياب الكلاب و أخبرنى جبريل ان أمّتى