تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٤٣٠ - غزوة أحد
متفرّقون كانت الهزيمة فلم يلو أحد على احد و الصواب ان السبب مخالفة الرماة لامر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و الاصل فى ذلك مع ما أراده اللّه ما اتفق ببدر من اخذ الفداء فقد خرج الترمذى و النسائى عن علىّ ان جبريل هبط فقال خيرهم فى اسارى بدر القتل و الفداء على أن يقتل منهم فى القابل مثلهم قالوا الفداء و يقتل منا مثلهم قال الترمذى حديث حسن و ذكر غيره له شواهد تقوّيه و لهذا جاء فى الصحيح انّ النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و اصحابه اصابوا من المشركين يوم بدر أربعين و مائة قتلوا سبعين و أسروا سبعين و فيه أيضا ان المشركين اصابوا يوم احد من المسلمين سبعين و وقع عند مسلم من طريق ابن عباس عن عمر فى قصة بدر قال فلما كان يوم أحد قتل منهم سبعون و فروا و كسرت رباعية النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و هشمت البيضة على رأسه و سال الدم على وجهه فأنزل اللّه تعالى أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا و المراد بكسر الرباعية و هى السن التي بين الثنية و الناب انها كسرت فذهب منها فلقة و لم تقلع من أصلها و قوله فروا أى بعضهم أو أطلق ذلك باعتبار تفرقهم و الواقع بهم انهم صاروا ثلاث فرق فرقة استمروا فى الهزيمة الى قرب المدينة فما رجعوا حتى انقضى القتال و هم قليل و هم الذين نزل فيهم انّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان الآية و فرقة صاروا حيارى لما سمعوا انّ النبيّ قتل فصار غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه و يستمرّ فى القتال الى أن يقتل و هم أكثرهم و فرقة بقيت مع النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ثم تراجع إليهم الفرقة الثانية شيئا فشيئا لما عرفوا انه حى و ما ورد فى الاختلاف فى العدد فمحمول على تعدّد المواطن فى القصة* و وقع عند أبى يعلى فى حديث عمر المتقدّم فلما كان عام أحد عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون* قال ابن هشام فى سيرته عن أبى سعيد الخدرى ان عتبة بن أبى وقاص رمى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يومئذ فكسر رباعيته السفلى و جرح شفته السفلى و انّ عبد اللّه بن شهاب الزهرى شجه فى جبهته و انّ ابن قميئة جرح و جنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر فى و جنته و وقع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون و هم لا يعلمون فأخذ علىّ بن أبى طالب بيد رسول اللّه و رفعه طلحة حتى استوى قائما* و فى الاكتفاء فقال (صلى اللّه عليه و سلم) من أحب أن ينظر الى شهيد يمشى على وجه الارض فلينظر الى طلحة* قال ابن هشام و مص مالك بن سنان والد أبى سعيد الخدرى الدم عن وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم ازدرده فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من مس دمه دمى لم تصبه النار* و فى الرياض النضرة لم تمسه النار أخرجه ابن اسحاق و فى رواية غيره من أحب أن ينظر الى من خالط دمه دمى فلينظر الى مالك بن سنان* و عن عائشة عن أبى بكر الصدّيق ان أبا عبيدة بن الجراح نزع احدى الحلقتين من وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فسقطت ثنيته ثم نزع الاخرى فسقطت ثنيته الاخرى فكان ساقط الثنيتين* و فى الصفوة نزع بفيه الحلقتين اللتين دخلتا فى و جنته من حلق المغفر فوقعت ثنيتاه و كان أحسن الناس هتما و فى رواية و لذلك يقال له الاهتم* و فى المواهب اللدنية و هشموا البيضة على رأسه أى كسروا الخوذة و رموه بالحجارة حتى سقط لشقه فى حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر فأخذ علىّ بيده و احتضنه طلحة ابن عبيد اللّه و رفعه حتى استوى قائما و نشبت حلقتان من المغفر فى وجهه فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح و عض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدّة غوصهما فى وجهه* و فى الاكتفاء و كان الذي كسر رباعيته و جرح شفته عتبة بن أبى وقاص أخو سعد بن أبى وقاص و كذا قاله السهيلى و غيره و من ثمة لم يولد من نسله ولد فبلغ الحنث الا و هو ابحر و اهتم أى عطشان لا يروى و ساقط مقدم أسنانه يعرف ذلك فى عقبه* و فى القاموس البحر العطش فلا يروى من الماء و يقال أهتم فاه ألقى مقدّم أسنانه