تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ١٣٨ - عجائب فرعون
أسبابهم و أوفى الكيل لهم جعل السقاية يعنى مشربة يسقى بها و هى الصواع قيل كان يسقى بها الملك ثم جعلت صاعا يكال بها العزة الطعام و كان يشبه الطاس من فضة أو ذهب فدسوه فى رحل بنيامين* روى أنهم ارتحلوا و أمهلهم يوسف حتى انطلقوا ثم أمر بهم فأدركوا و حبسوا ثم نادى مناد أيتها العير و هى الابل التي عليها الاحمال لانها تعير أى تذهب و تجيء و المراد أصحاب العير انكم لسارقون كناية عن سرقتهم اياه من أبيه قالوا و أقبلوا عليهم ما ذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك و لمن جاء به حمل بعير قال المؤذن و أنا به زعيم يريد أنا بحمل البعير كفيل أؤدّيه الى من جاء به و أراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله قالوا تاللّه قسم فيه معنى التعجب مما نسب إليهم ما جئنا لنفسد فى الارض* روى أنهم حين دخلوا كان أفواه رواحلهم مشدودة لئلا تتناول زرعا أو طعاما لاحد من أهل السوق و ما كنا سارقين قالوا فما جزاء الصواع أى سرقته ان كنتم كاذبين فى جحودكم و ادعائكم البراءة منها قالوا جزاء سرقته أخذ من وجد فى رحله و كان حكم السارق فى آل يعقوب أن يسترق سنة فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه بنيامين لنفى التهمة حتى بلغ وعاء فقال ما أظنّ هذا أخذ شيئا فقالوا و اللّه لا يترك حتى تنظر فى رحله فانه أطيب لنفسك و أنفسنا ثم استخرج الصواع من وعاء أخيه قالوا ان يسرق فقد سرق أخ له من قبل أرادوا يوسف قيل دخل كنيسة فأخذ تمثالا صغيرا من ذهب كانوا يعبدونه فدفنه و قيل كان فى المنزل دجاجة فأعطاها السائل و قيل كانت منطقة لإبراهيم يتوارثها أكابر ولده فورثها اسحاق ثم وقعت الى ابنته و كانت أكبر أولاده فحضنت يوسف و هى عمته بعد وفاة أمه و كانت لا تصبر عنه فلما شب أراد يعقوب أن ينتزعه منها فعمدت الى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه و قالت قد فقدت منطقة اسحاق فانظروا من أخذها ففتشوا فوجدوها محزومة على يوسف فقالت انه لى سلم أفعل به ما شئت فحلاه يعقوب عندها حتى ماتت يقال فلان سلم فى أيدى بنى فلان أى أسير* و روى أنهم لما استخرجوا الصواع من رحل بنيامين نكس اخوته رءوسهم حياء و أقبلوا عليه فقالوا له فضحتنا و سوّدت وجوهنا يا بنى راحيل ما يزال لنا منكم بلاء متى أخذت هذا الصواع فقال بنو راحيل لا يزال منكم عليهم بلاء ذهبتم بأخى فأهلكتموه فأسرّ يوسف فى نفسه مقالتهم قد سرق أخ له من قبل و تغافل عنها كأن لم يسمعها و لما أخذ بنيامين بعلة السرقة قالوا له يأيها العزيز ان له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه أى بدله فأبى و قال معاذ اللّه أن نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده فلما استيأسوا من يوسف و اجابته انفردوا عن الناس متناجين فى تدبير أمرهم على أىّ صفة يذهبون و ما ذا يقولون لابيهم فى شأن اخيهم قال كبيرهم فى السنّ و هو روبيل أو فى العقل و هو يهوذا أو رئيسهم و هو شمعون أ لم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من اللّه و من قبل ما فرّطتم و قصرتم فى شأن يوسف فلن أبرح الارض أى لن أفارق أرض مصر حتى يأذن لى أبى فى الانصراف إليه أو يحكم اللّه لى فى الخروج منها او بالموت او بقتالهم ارجعوا الى ابيكم فقولوا يا أبانا ان ابنك سرق و ما شهدنا عليه بالسرقة الا بما علمنا من سرقته و ما كنا للغيب حافظين أى ما علمنا انه سيسرق حين أعطيناك المواثيق و اسأل اهل مصر عن كنه القصة و اصحاب العير و كانوا قوما من كنعان من جيران يعقوب و انا لصادقون فى قولنا فرجعوا الى ابيهم فقالوا له ما قال لهم اخوهم قال يعقوب بل سوّلت و سهلت لكم أنفسكم أمرا أردتموه و الا فمن أدرى ذلك الرجل ان السارق يسترق لو لا فتواكم و تعليمكم فصبر جميل عسى اللّه أن يأتينى بهم جميعا أى بيوسف و اخيه و كبيرهم و تولى و أعرض عنهم كراهة لما جاءوا به و قال يا اسفا على يوسف الاسف اشدّ الحزن و الحسرة و الالف بدل عن ياء الاضافة و ابيضت عيناه من الحزن أى اذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين و قلبته الى بياض كدر قيل قد عمى بصره و قيل يدرك ادراكا ضعيفا قيل ما جفت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف الى حين لقائه