تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٣٧٠ - غزوة بدر الكبرى
فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم ثم تناول النساء و أنت تسمع ثم لم يكن عندك غيرة لشيئ مما سمعت قال قلت و ايم اللّه لا تعرضنّ له فان عاد لأكفيكنه قال فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة و أنا حديد مغضب فدخلت المسجد فرأيته فو اللّه انى لا مشى نحوه لا تعرضه ليعود لبعض ما قال فأوقع به و كان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر اذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ قال فقلت فى نفسى ماله لعنه اللّه أكل هذا فرقا منى أن اشاتمه قال فاذا هو قد سمع ما لم أسمعه صوت ضمضم بن عمرو الغفارى و هو يصرخ ببطن الوادى واقفا على بعيره قد جدع بعيره و حوّل رحله و شق قميصه و هو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى أصحابه لا أرى ان تدركوها الغوث الغوث قال فشغلنى عنه و شغله عنى ما جاء من الامر* و فى رواية فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا اهل مكة النجاء النجاء على كل صعب و ذلول عيركم و أموالكم ان أصابها محمد لن تفلحوا اذا أبدا فتجهز الناس سراعا و قالوا أ يظنّ محمد و أصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمى كلا و اللّه ليعلمنّ غير ذلك فكانوا بين رجلين اما خارج و اما باعث مكانه رجلا و أرعبت قريش و لم يتخلف من أشرافها أحد الا ان أبا لهب بن عبد المطلب قد تخلف و بعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة و كان قد لأط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها فاستأجره بها على أن يجزئ عنه فخرج عنه و تخلف ابو لهب قال ابن اسحاق و حدّثنى عبد اللّه بن ابى نجيح ان أمية بن خلف كان قد أجمع على القعود و كان شيخا جليلا جسيما ثقيلا فأتاه عقبة بن ابى معيط و هو جالس فى المسجد بين ظهرى قومه بمجمرة يحملها فيها نار حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبا على استجمر فانما أنت من النساء قال قبحك اللّه و قبح ما جئت به قال ثم تجهز فخرج مع الناس* و فى رواية كان أمية قد سمع من سعد بن معاذ أن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) قال سأقتله فقال أمية و اللّه ان محمدا لا يكذب و لم يزل يخاف من ذلك فعزم للقعود فأتاه أبو جهل فقال يا أبا صفوان انك سيد أهل الوادى فسر بنا يوما أو يومين فوسوس إليه حتى خرج و فى سيرة ابن هشام و لما فرغوا من جهازهم و أجمعوا السير ذكروا ما بينهم و بين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب و العداوة قالوا نخشى أن يأتونا من خلفنا و كاد ذلك أن يثبطهم و يثنيهم فتبدّى لهم ابليس فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى و كان سراقة من أشراف بنى كنانة فقال أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا* و فى رواية و لما التقى الجمعان كان ابليس فى صف المشركين على صورة سراقة بن مالك بن جعشم آخذا بيد الحارث بن هشام* و فى رواية بيد أبى جهل و رأى الملائكة نزلت من السماء و رأى جبريل معتجرا ببرد يمشى بين يدى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و فى يده اللجام يقود الفرس و ما ركب بعد و علم انه لا طاقة له بهم نكص على عقبيه موليا هاربا فقال له الحارث الى أين أ فرارا من غير قتال و حول بمكة أتخذ لنا فى هذه الحالة قال انى أرى ما لا ترون و دفع فى صدر الحارث فانطلق فانهزم الناس و لما قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال بلغنى انكم تقولون انى هزمت الناس فو اللّه ما شعرت بمسيركم حتى بلغنى هزيمتكم فقالوا ما أتيتنا يوم كذا فحلف لهم فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان كذا فى معالم التنزيل* و فى الاكتفاء ذكر انهم كانوا يرونه فى كل منزل فى صورة سراقة لا ينكرونه حتى اذا كان يوم بدر و التقى الجمعان نكص على عقبيه فأوردهم ثم أسلمهم* روى عن السدّى و الكلبى انهما قالا كان المشركون حين خرجوا الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من مكة أخذوا بأستار الكعبة و قالوا اللهمّ انصر أهدى الفئتين و أعلى الجندين و أكرم الحزبين و أفضل الدين ففيه نزلت ان تستفتحوا فقد جاءكم الفتح فخرجت قريش من مكة سراعا معها القيان و الدفوف* قال ابن
اسحاق و خرج رسول اللّه صلّى اللّه