تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٤٨٤ - * غزوة الخندق
يفتل فى الذروة و الغارب حتى سمح له على ان أعطاه عهدا من اللّه و ميثاقا لئن رجعت قريش و غطفان و لم يصيبوا محمدا ان أدخل معك فى حصنك حتى يصيبنى ما أصابك فنقض كعب عهده و برئ مما كان عليه فيما بينه و بين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فلما انتهى الخبر الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و المسلمين قال رسول اللّه حسبنا اللّه و نعم الوكيل و بعث (صلى اللّه عليه و سلم) سعد بن معاذ أحد بنى عبد الاشهل و هو يومئذ سيد الاوس و سعد بن عبادة أحد بنى ساعدة و هو يومئذ سيد الخزرج و معهما عبد اللّه بن رواحة أخو بلحارث و خوّات بن جبير أخو بنى عمرو بن عوف ليعرفوا الخبر فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على اخبث ما بلغهم عنهم قالوا من رسول اللّه تبرءوا من عقده و عهده و قالوا لا عقد بيننا و بين محمد و لا عهد فشاتمهم سعد بن عبادة و شاتموه و كان رجلا فيه حدّة فقال له سعد بن معاذ دع عنك مشاتمتهم فما بينهم و بيننا أربى من المشاتمة ثم أقبل سعد بن معاذ و سعد بن عبادة و من معهما الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبروه و قالوا عضل و القارة أى كغدرهما بأصحاب الرجيع فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اللّه أكبر ابشروا يا معشر المسلمين و لما فشا بين المسلمين خبر نقض عهد بنى قريظة اشتدّ الخوف و عظم عند ذلك البلاء فبينما هم على ذلك اذ جاءتهم جنود يعنى الاحزاب و هم قريش و غطفان و يهود قريظة و النضير و كانوا زها اثنى عشر ألفا كذا فى أنوار التنزيل فجاء بنو أسد و غطفان و فزارة و اليهود من فوقهم من جهة المدينة و قائدهم حارث بن عوف و عيينة بن حصن الفزارى و جاء قريش و كنانة من جانب أسفل الوادى و قائدهم أبو سفيان بن حرب* و قال ابن عباس كان الذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة و من أسفل منهم قريش و غطفان كذا فى الوفاء و من هيبة كثرتهم و شدّة شوكتهم رعبت قلوب ضعفاء أهل الاسلام و زاغت أبصارهم* و فى الاكتفاء حتى ظنّ المؤمنون كل ظن و نجم النفاق من بعض المنافقين و حتى قال قائل منهم كان محمد يعدنا أن نملك كنوز كسرى و قيصر و أحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب الى الغائط كما قال اللّه تعالى اذ جاؤكم من فوقكم و من أسفل منكم و اذ زاغت الابصار و بلغت القلوب الحناجر و تظنون باللّه الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون و زلزلوا زلزالا شديدا فلما بلغت الاحزاب و جنود الاعراب شفير الخندق و رأوه تعجبوا منه اذ لم يكن أمر الخندق متعارفا بين العرب فأقاموا بظاهر المدينة على الخندق و حاصروا المسلمين عشرين أو أربعة و عشرين أو سبعة و عشرين يوما* و فى الاكتفاء و أقام عليه المشركون قريبا من شهر و لم يكن بينهم حرب الا الرمى بالنبل و الحصار و استعان بنو قريظة من قريش ليبيتوا المدينة فعلم به النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فبعث سلمة بن الاسلم فى مائتى رجل و زيد بن حارثة فى ثلاثمائة رجل حتى حرسوا حصون المدينة و محلاتها و كان جماعة من المنافقين مثل أوس القيظى و متابعيه ينفرون جيش الاسلام و يقولون ارجعوا الى منازلكم و اعتلوا بأنّ منازلكم عورة خالية عن المحافظة فانها خارج المدينة و نحن نخاف أن يظفر بها جيش العدوّ كما أخبر عنه قوله تعالى و اذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا و يستأذن فريق منهم النبيّ يقولون انّ بيوتنا عورة و ما هى بعورة ان يريدون الا فرارا* روى انه كان عباد بن بشر مع جمع من الصحابة فى أيام المحاصرة يحرسون خيمة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كل ليلة و كان المشركون يتناوبون الحرب لكن اللّه تعالى لم يمكنهم من عبور الخندق فان شجعان الصحابة كانوا يمنعونهم بالنبال و الاحجار و كان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) بنفسه فى الليالى يحرس بعض مواضع الخندق* روى عن عائشة رضى اللّه عنها أنها قالت كان فى الخندق موضع لم يحسنوا ضبطه اذ أعجلهم الحال و كان يخاف عليه عبور الاعداء منه و كان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) يختلف و يحرسه بنفسه و يقول