تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٢٥ - (ذكر دلائل نبوّته)
لانه أراد مجيء كتابه و نوره كما قال اللّه عز و جل فأتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا أى أتاهم أمره و المعنى بذلك انزال التوراة على موسى بطور سيناء و سائر أرض الخليل من الشأم و كان عيسى يسكنها بقرية يقال لها ناصرة و بها سمى من تبعه نصارى* و فى أنوار التنزيل نصارى جمع نصرانى و الياء فى نصرانى للمبالغة كما فى أحمرى سموا بذلك لانهم كانوا معه فى قرية يقال لها نصران أو ناصرة فسموا باسمها انتهى و المراد انزاله الانجيل على عيسى و هو كناية عن ظهور أمر الانجيل و ليس بين المسلمين و أهل الكتاب خلاف فى أن فاران هى مكة و المراد انزاله القرآن على محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و ظهور أمره و شريعته و اللّه أعلم* و من البشائر ما قاله يعقوب (عليه السلام) جاء اللّه عز و جل بالبيان من فاران و امتلأت السموات من تسبيح أحمد و أمّته يحمل حبه فى البحر كما يحمله فى البرّ يأتينا بكتاب جديد يعرف بعد خراب بيت المقدس كذا فى شواهد النبوّة* و من كلام شعياء رأيت راكبين أضاءت لهما الارض أحدهما على حمار و الآخر على حمل راكب الحمار عيسى و راكب الجمل نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) و أيضا فى كلامه يا قوم انى رأيت صورة مثل صورة القمر* و فى وصايا موسى عليه الصلاة و السلام لبنى اسرائيل سيأتيكم نبىّ من بنى اخوتكم أى أعمامكم فله صدّقوا و منه فاسمعوا* و من البشائر أن فى الجزء الثانى من السفر الخامس من التوراة السبعينية التي اتفق سبعون من أحبار اليهود على صحتها أنه يخاطب اللّه بها موسى و ترجمتها بالعربية بهذه العبارة انى أقيم لهم نبيا من بنى اخوتهم مثلك و أجرى قولى فيه و يقول لهم ما آمره و الرجل الذي لا يقبل قول النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) الذي يتكلم باسمى فانى أنتقم منه فيفهم منه أنه يكون ذلك النبيّ من غير بنى اسرائيل من بنى اخوتهم أى أعمامهم. و أن يكون مثل موسى صاحب عز و شريعة و شوكة و ما هو إلا نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) فان عيسى لم يكن صاحب شريعة و شوكة لما جاء فى الانجيل حكاية عن عيسى انى ما جئت لتبديل شرع موسى بل لتكميله كذا فى شواهد النبوّة* لكن فى أنوار التنزيل ما يدل على أن شرع عيسى ناسخ لشرع موسى حيث قال فى تفسير قوله تعالى و لأحل لكم بعض الذي حرّم عليكم فى شريعة موسى كالشحوم و السمك و كل ذى ظفر و لحوم الابل و العمل فى السبت و هو يدل على أن شرعه ناسخ لشرع موسى و لا يخل ذلك بكونه مصدّقا للتوراة كما لا يعود نسخ القرآن بعضه ببعض عليه بتنافر و تكاذب فان النسخ فى الحقيقة بيان تخصيص فى الازمان* و فى الانسان الكامل ان عيسى نسخ دين موسى لانه أتى بما لم يأت به موسى و ذلك أن اللّه تعالى أنزل التوراة على موسى فى تسعة ألواح و أمره أن يبلغ سبعة منها و يترك لوحين لان العقول لا تكاد تقبل ما فى ذينك اللوحين فلو أنذر بهما موسى لانتقض ما يطلبه و كان لا يؤمن به رجل واحد فهما مخصوصان بموسى عليه الصلاة و السلام من دون غيره من أهل ذلك الزمان* و كانت الالواح التي أمر بتبليغها فيها علوم الاوّلين و الآخرين الاعلم محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و ورثته و علم ابراهيم و علم عيسى عليهما الصلاة و السلام فانه لم تتضمنه التوراة خصوصية لمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) و كانت الالواح السبعة التي أمر بتبليغها من حجر المزمر بخلاف اللوحين فانهما كانا من نور و لكون الالواح السبعة من الحجارة قست قلوبهم فلو أمر موسى بابلاغ اللوحين المختصين به لما كان مبعث عيسى من بعده لان عيسى بلغ سرّ ذينك اللوحين المرقومين فنسخ دين موسى لأنه أتى بما لم يأت به موسى لكنه لما أظهر حكم ذلك ضل قومه من بعد و تعبدوه و قالوا انه ثالث ثلاثة و هو الاب و الامّ و الابن و سموا ذلك بالاقانيم الثلاثة فافترق قومه على ثلاث فرق الملكائية أصحاب ملكا الذين ظهروا فى الروم و استولوا عليها و النسطورية أصحاب نسطور الحكيم الذين ظهروا فى زمن المأمون و تصرّف فى الانجيل بحكم رأيه و اليعقوبية أصحاب يعقوب* و مما ترجموا من الانجيل أن عيسى قال اذا جاء الفارقليط فهو يشهد لى