تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٣٦٩ - غزوة بدر الكبرى
العدوّ مع ما كانوا فيه من سوابغ الحديد و العدّة الكاملة و الخيول المسوّمة و الخيلاء الزائد فأعز اللّه رسوله و أظهر وحيه و تنزيله و بيض وجه النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أخزى الشيطان و جبله و لهذا قال تعالى ممتنا على عباده المؤمنين و حزبه المتقين و لقد نصركم اللّه ببدر و أنتم أذلة أى قليل عددكم فقد كانت هذه أعظم غزوات الاسلام اذ منها كان ظهوره و بعد وقوعها أشرق على الآفاق نوره و من حين وقوعها أذل اللّه الكفار و أعز من حضرها من المسلمين فهم عند اللّه من الابرار* و فى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق انّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سمع بأبى سفيان بن حرب مقبلا من الشأم فى عير لقريش عظيمة فيها أموال لقريش و تجارة من تجاراتهم و فيها ثلاثون رجلا من قريش أو اربعون منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة و عمرو بن العاص بن وائل بن هشام* و قال غيره كانت العير زها ألف بعير و فى أحمالها من التمر و الشعير و البرّ و الزبيب و غير ذلك كذا فى الينابيع و هى العير التي كان فيها أبو سفيان بن حرب مع جمع من قريش خرجوا من مكة الى الشأم و كان (صلى اللّه عليه و سلم) خرج إليها و سار الى العشيرة فلم يدركها فرجع الى المدينة فأخبر جبريل بقفول العير من الشأم فأخبر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) المسلمين فأعجبهم تلقى العير لكثرة الخير و قلة القوم* و فى سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق لما سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأبى سفيان مقبلا من الشأم ندب المسلمين إليهم و قال هذه عير قريش فيها أموال فاخرجوا إليها لعل اللّه ينفلكموها فانتدب المسلمون فخف بعضهم و ثقل بعضهم و ذلك انهم لم يظنوا أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يلقى حربا و كان أبو سفيان بن حرب حين دنا من الحجاز يتجسس الاخبار و يسأل من لقى من الركبان تخوّفا عن أمر الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك و لعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى فبعثه الى مكة و أمره أن يأتى قريشا فيستنفرهم الى أموالهم و يخبرهم أنّ محمدا قد عرض لها فى أصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعا الى مكة قال ابن اسحاق و قد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث رؤيا أفزعتها فبعثت الى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخى و اللّه لقد رأيت البارحة رؤيا أفزعتنى و تخوّفت أن يدخل على قومك منها شرّ و مصيبة فاكتم عنى ما أحدّثك و ما رأيت فقال لها و ما رأيت قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لصارعكم فى ثلاث فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد و الناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم فى ثلاث ثم مثل به بعيره على أبى قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى اذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقى بيت من بيوت مكة و لا دار الا دخلها منها فلقة قال العباس و اللّه ان هذه لرؤيا و أنت فاكتميها و لا تذكريها لاحد ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة و كان له صديقا فذكرها له و استكتمه اياها فذكرها الوليد لابيه عتبة ففشا الحديث بمكة حتى تحدّثت به قريش قال العباس فغدوت لاطوف بالبيت و أبو جهل بن هشام فى رهط من قريش قعود يتحدّثون برؤيا عاتكة فلما رآنى أبو جهل قال يا أبا الفضل اذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا فلما فرغت أقبلت حتى جلست بينهم فقال لى أبو جهل يا بنى عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية قال قلت و ما ذاك قال تلك الرؤيا التي رأت عاتكة قال قلت و ما رأت فقال يا بنى عبد المطلب أ ما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة فى رؤياها انه قال انفروا لمصارعكم فى ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يك حقا ما تقول فسيكون و ان تمض الثلاث و لم يكن شيء من ذلك نكتب عليكم كتابا انكم أكذب اهل بيت فى العرب قال ثم تفرّقنا فلما أمسينا لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب الا أتتنى