تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ١٣٦ - عجائب فرعون
فاذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عنا قيد من عنب فقطفتها و عصرتها فى كأس الملك و سقيته و قال الخباز رأيت كان فوق رأسى ثلاث سلال فيها أنواع الاطعمة فاذا سباع الطير تنهش منها فقالا له نبئنا بتأويله فأوّل يوسف رؤيا الشرابى بأنه يعود الى عمله و يسقى سيده خمرا و أوّل رؤيا الخباز بأنه يقتل* روى أنه قال للاوّل ما رأيت من الكرمة هو الملك و حسن حالك عنده و أما القضبان الثلاثة فانها ثلاثة أيام تمضى فى السجن ثم تخرج و تعود الى ما كنت عليه من عملك اذكرنى و صفني عند الملك بصفتى و قص عليه قصتى لعله يرحمنى و يخلصنى من هذه الورطة و فى الحديث رحم اللّه أخى يوسف لو لم يقل اذكرنى عند ربك لما لبث فى السجن سبعا و قال للثانى ما رأيت من السلال الثلاث ثلاثة أيام ثم تخرج و تقتل و كان أمرهما كما قال* و لما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الريان بن الوليد رؤيا عجيبة هالته رأى سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابص و سبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان و رأى سبع سنبلات خضر انعقد حبها و سبعا أخر يابسات قد استحصدت و أدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فاستعبرها الملك و قال يأيها الملأ أفتونى فى رؤياى فلم يجد فى قومه من يحسن عبارتها و قالوا أضغاث أحلام أى تخاليط منامات باطلة و ليس لنا بها علم و لما استفتى الملك فى رؤياه و أعضل على الملأ تأويلها و عجزوا عنها تذكر الناجى بعد مدّة طويلة يوسف و تأويله رؤياه و رؤيا صاحبه و طلبه إليه أن يذكره عند الملك فقال أنا اخبركم بمن عنده تأويلها فأرسلوه فانطلق الى يوسف و قص عليه رؤيا الملك و استعبره فقال أيها الصدّيق أفتنا فى سبع بقرات سمان الى آخر ما رآه الملك فتأوّل يوسف البقرات السمان و السنبلات الخضر بسنين مخاصيب و العجاف و اليابسات بسنين مجدبة ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجىء مباركا كثيرا لخير غزير النعم و ذلك بعد أربع عشرة سنة من وقت استفتاء الرؤيا* قيل كان ابتداء بلاء يوسف فى الرؤيا ثم كان سبب نجاته أيضا الرؤيا فلما رجع المستعبر الى الملك بخبر يوسف و تأويله الرؤيا قال ائتونى به استخلصه لنفسى فجاءه الرسول ليخرجه من السجن و كان معه سبعون حاجبا و سبعون مركبا و بعث الملك إليه لباس الملوك فقال أجب الملك فخرج من السجن و دعا لاهله فقال اللهم أعطف عليهم قلوب الاخيار و لا تعمّ عليهم الاخبار فهم أعلم الناس بالاخبار فى الواقعات و كتب على باب السجن هذه منازل البلوى و قبور الاحياء و شماتة الاعداء و تجربة الاصدقاء ثم اغتسل و تنظف من درن السجن و لبس ثيابا جددا فلما دخل على الملك قال اللهم انى اسألك بخيرك من خيره و أعوذ بعزتك و قدرتك من شرّه ثم سلم عليه و دعا له بالعبرانية فقال ما هذا اللسان قال لسان آبائى و كان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه فقال أيها الصدّيق انى أحب أن اسمع رؤياى منك قال رأيت بقرات فوصف لونهنّ و أحوالهنّ و مكان خروجهنّ و وصف السنابل و ما كان منها على الهيئة التي رآها الملك و قال من حقك أن تجمع الطعام بالاهراء فيأتيك الخلق من النواحى و يمتارون منك و يجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لاحد قبلك قال الملك و من لى بهذا الامر و من يجمعه قال يوسف اجعلنى على خزائن الارض أى ولنى خزائن أرضك يعنى مصر* و فى الحديث رحم اللّه أخى يوسف لو لم يقل اجعلنى على خزائن الارض لاستعمله من ساعته و لكنه أخر ذلك سنة* روى أن الملك توجه و ختمه بخاتمه و رداه بسيفه و وضع له سريرا من ذهب مكللا بالدرّ و الياقوت فقال له أما السرير فاشدد به ملكك و أما الخاتم فدبر به أمرك و أما التاج فليس من لباسى و لا من لباس آبائى فاستوزره الريان و هو ابن ثلاثين سنة أو ثلاث و ثلاثين سنة قيل توفى جدّه اسحاق حينئذ و عمره مائة و ثمانون سنة و كان ضريرا و دفن عند قبر أبيه و أوتى يوسف الحكمة و العلم و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة* و فى تفسير الحدّادى فى قوله تعالى و لما بلغ أشدّه قال ابن عباس و لما بلغ ثمانى عشرة سنة آتيناه النبوّة و لما