أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٩ - الفصل الثاني حجّية العام المخصّص في الباقي
ب «الف سنة» وبين قولنا «فلبث فيهم تسعمائة وخمسين سنة» واضح.
وثانياً: الحقّ عدم تعارف التخصيص بالمنفصل بين العرف والعقلاء، بل إنّهم يحملونه على التناقض، فإذا قال أحد: «بعت جميع كتبي»، ثمّ قال بعد مدّة: «لم أبع كتابي هذا وذاك» أو قال:
«أدّيت جميع ديوني» ثمّ قال بعد مدّة: «بقى عليّ كذا وكذا من الديون» يحكم العرف بأنّه نقض كلامه وكذب فيه.
ويشهد لما ذكرنا بعض الرّوايات التي عومل فيها العام والخاص المنفصل معاملة التناقض والتعارض، وهو مكاتبة محمّد بن عبداللَّه بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان عليه السلام- حيث ورد فيها أنّه قال عليه السلام: «في الجواب عن ذلك حديثان أمّا أحدهما فإذا انتقل من حاجة إلى اخرى فعليه التكبير، وأمّا الآخر فإنّه روى أنّه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية وكبّر ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، وكذلك التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى، وبأيّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً» [١].
فإنّ ذيل هذا الخبر وهو جملة «وبأيّهما أخذت ...» يدلّ على أنّ الإمام عليه السلام عامل الحديثين معاملة المتعارضين مع أنّهما من قبيل العام والخاصّ.
إن قلت: كيف اكتفى الإمام عليه السلام في مقام الجواب بنقل روايتين متعارضتين مع أنّه منبع الأحكام وهو عالم بواقعها؟
قلت: كان عليه السلام في مقام إعطاء قاعدة كلّية يمكن تطبيقها في سائر موارد التعارض بين الخبرين عند عدم إمكان الوصول إليه في غيبته.
هذا- لكن لا يخفى أنّ للشارع المقنّن المشرّع كسائر العقلاء في مقام التقنين عرفاً خاصّاً لا يعامل العام والخاصّ معاملة التعارض، لأنّ تدريجيّة بيان الأحكام والقوانين تقتضي أن يبيّنها أوّلًا بشكل العام أو المطلق ثمّ يأتي بعد ذلك بالمخصّص أو المقيّد في ظرفه الخاصّ، ولا يحكم العرف والعقلاء عند ملاحظة هذه السيرة وهذا المقام بالتناقض والتنافي كما لا يخفى.
إن قلت: فكيف حكم به الإمام عليه السلام في مكاتبة الحميري؟
قلنا: لخصوصيّة في المستحبّات، وهي أنّ العمومات والخصوصات فيها تحمل على بيان
[١] وسائل الشيعة: ح ٣٩، الباب ٩، من أبواب صفات القاضي.