أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١١ - الدليل الأول الكتاب
الآية وبملاك يستفاد منها، وهو أنّ تحصيل العلم والتفقّه في الدين واجب كفائي (كما أنّ الجهاد واجب كفائي والنفر مقدّمة له) فالرواية تقول حينئذٍ: إذا كان التعلّم واجباً ووجب امتثال هذا الوجوب فلا فرق بين الإقامة والخروج لأجل تحقّق الامتثال، ولا يخفى أنّ هذا لا ينافي التفسير الأوّل وكون النفر بمعنى النفر إلى الجهاد، هذا أوّلًا.
وثانياً: غاية ما تقتضيه هذه الرّوايات كونها قرينة على أنّ النفر في الآية استعمل في النفر إلى الجهاد والنفر إلى التفقّه معاً، أي أنّه استعمل في أكثر من معنى، وهو جائز على المختار عند وجود القرينة أو استعمل في معنى جامع بينهما.
هذا كلّه في تفسير الآية، أي المقام الأوّل من البحث، وستعرف إن شاء اللَّه أنّ الاختلاف في هذا المقام ليس له أثر كثير في ما نحن بصدده.
أمّا المقام الثاني: فهو في كيفية الاستدلال بهذه الآية لحجّية خبر الواحد ...
فنقول: الاستدلال بها يكون منّا يقوم على أساس دلالة قوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» على وجوب الحذر عند إنذار المتفقّه في الدين مطلقاً سواء حصل منه العلم أو لا، وهو معنى حجّية خبر الواحد تعبّداً.
وأمّا كيفية دلالة كلمة «لعلّ» على الوجوب فهي من وجوه شتّى:
الوجه الأول: أن يقال: إنّ كلمة «لعلّ» وإن كانت مستعملة في معناها الحقيقي، وهو إنشاء الترجّي حتّى فيما إذا وقعت في كلامه تعالى، ولكن بما أن الداعي إلى الترجّي يستحيل في حقّه تعالى لأنّ منشأه عبارة عن الجهل والعجز فلا محالة تكون مستعملة بداعي طلب الحذر، وإذا ثبت كون الحذر مطلوباً ثبت وجوبه لأنّه لا معنى لحسن الحذر ورجحانه بدون وجوبه، فإنّ المقتضي للحذر إن كان موجوداً فقد وجب الحذر وإلّا فلا يحسن من أصله.
أقول: إنّ هذا الوجه تامّ إلّامن ناحية ما ذكر في مقدّمته من استحالة الترجّي في حقّه تعالى لأنّ المأخوذ في مادّة الترجّي هو الحاجة إلى شرائط غير حاصلة، وعدم حصول الشرائط تارةً يكون من جانب المتكلّم وهو اللَّه تعالى في الآية، واخرى من ناحية المخاطب وهو الناس فيها، ففي ما نحن فيه وإن كانت الشرائط حاصلة من جانبه تعالى إلّاأنّها غير حاصلة من جانب الناس، فاستعملت «لعلّ» في معناها الحقيقي.
وعلى كلّ حال يستفاد من كلمة «لعلّ» في الآية مطلوبيّة الحذر (وهي مساوقة مع